تَحَابُّوا بِرُوحِ اللهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَ اللهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62] ) [1] .
وممن تسمى بالتعبد لهذا الاسم، عبد الولي بن أبي السرايا بن عبد السلام الأنصاري، فقيه شافعي من أخميم أحد القرى التابعة لصعيد مصر، وكان خطيب ناحيته وأحد عدولها وله شعر حسن المذهب، ومن شعره:
تأن إذا أردت النطق حتى تصيب بسهمه غرض البيان
ولا تطلق لسانك ليس شيء أحق بطول سجن من لسان [2] .
دعاء العبادة هو أثر الحمد على اعتقاد العبد وسلوكه، أما اعتقاده فيقينه بأن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ونعوت جلاله مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له، وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها، ولهذا كان الحمد لله حمدا لا يحصيه سواه لكمال صفاته وكثرتها، ولأجل هذا لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه، ولهذا ذم الله تعالى آلهة الكفار وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها؛ فعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا تهدي ولا تنفع ولا تضر.
ومعلوم بالفطرة المستقيمة والعقول السليمة والكتب السماوية أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلها ولا مدبرا ولا ربا؛ بل هو مذموم معيب ناقص ليس له الحمد لا في الأولى ولا في الآخرة، وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال ونعوت الجلال التي لأجلها استحق الحمد، قال تعالى: {وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:70] .
وقد حمد نفسه سبحانه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه وتعبيد كل شيء له فاتخاذ الولد ينافي ذلك، وحمد نفسه على عدم الشريك المتضمن
(1) أبو داود في الإجارة، باب في الرهن 3/ 288 (3527) ، صحيح الترغيب والترهيب (3026) .
(2) معجم البلدان 2/ 119.