عبادته أن ملك من أشركوا به لو بلغ السماوات السبع والأرضون وما فيهن وما بينهن على عرضهن ومقدارهن وسعة حجمهن لا يمثلن شيئا في الكرسي الذي تحت قدم الملك، فما بالك بعرشه ومجده؟ وما بالك باتساع ملكه؟ وعلى الرغم من ذلك لا يَئُودُهُ حِفظُهُمَا، فهو الذي يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا، لأنه لا يقوى غيره على حفظهن وإدارتهن حتى لو ادعى لنفسه ملكهن، فالله من حلمه على خلقه أمسكهن بقدرته وأبقاهن لحكمته، ولذلك قال تعالى: {إنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر:41] ، وقد ورد عند ابن حبان وصححه الألباني من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) [1] ، وصح عن ابن عباس - رضي الله عنه - موقوفا أنه قال: (الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى) [2] .
أما مجد أوصافه فله علو الشأن فيها، لا سمي له ولا نظير ولا شبيه له ولا مثيل فالمجد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها المعبود فهو العلي العظيم، لأن أي معبود سواه إذا علا مجده بعض الخلق وغلب على العرش واستقر له الملك فإنه مسلوب العظمة في علوه المحدود، إما لمرضه أو نومه، أو قدوم أجله، أو غلبة غيره على ملكه أو غير ذلك من أنواع الضرورة والقيود، فأي عظمة في علو المخلوق وهو يعلم أن قدرته محدودة وأيامه معدودة؟ أيستحق المخلوق أن يكون معبودا من دون الله؟ فما بالنا بمجد رب العزة والجلال الذي له العلو والكمال والعظمة والجمال في جميع الأسماء والصفات والأفعال، له علو الشأن والقهر والفوقية، وعظمته في علوه عظمة حقيقية فهو المجيد حقا وصدقا، ومجد الظالمين زورا وإفكا، وأي عاقل سيقر بمجد أفعاله وبالغ كرمه وإنعامه، وجوده وإحسانه، فهو الذي أوجد المخلوقات وحفظها وهداها ورزقها فسبحان المجيد في ذاته وصفاته وأفعاله قال تعالى: {فَتَعَالَى الله المَلِكُ الحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ} [المؤمنون:116] ، وقال أيضا: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُون} [الزخرف:82] .
الفتاح في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعال من اسم الفاعل الفاتح، فعله فَتَحَ
(1) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 2/ 77 (361) ، قال الشيخ الألباني: لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث، انظر السلسلة الصحيحة 1/ 223 (109) .
(2) انظر تعليق الألباني علي الرواية في شرح العقيدة الطحاوية ص 45.