فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 673

الكريم الفِعَال، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سُمِّيَ مَجدا، وفعيل أبلغ من فاعل، فكأنه يجمع معنى الجليل والوهّاب والكريم، والمَجْدُ المُرُوءةُ والكرمُ والسخاءُ والشرف والفخر والحسب والعزة والرفعة، والمَجْدُ أيضا الأَخذ من الشرف والسُّؤْدَد ما يكفي، وأَمجَدَه ومَجَّده كلاهما عظمَه وأَثنى عليه، وتماجَدَ القومُ فيما بينهم ذكَروا مَجْدَهم [1] ، والله عز وجل وصف كتابه بالمجيد فقال: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [قّ:1] ، لأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وصفة الكلام من صفاته العليا فالقرآن كريم فيه الإعجاز والبيان، وفيه روعة الكلمات والمعان، وفيه كمال السعادة للإنسان، فهو كتاب مجيد عظيم رفيع الشأن.

والمجيد سبحانه هو الذي علا وارتفع بذاته، وله المجد في أسمائه وصفاته وأفعاله فمجد الذات الإلهية بيِّن في جمال الله وسعته وعلوه واستوائه على عرشه فعند مسلم من حديث عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ) [2] ، وروى أيضا من حديث أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) [3] ، وكيفية جمال الذات أو كيفية ما هو عليه أمر لا يدركه سواه ولا يعلمه إلا الله، وليس عند المخلوقين منه إلا ما أخبر به عن نفسه من كمال وصفه وجلال ذاته وكمال فعله [4] ، ومِن مجد ذاته استواؤه على عرشه؛ فهو العلي بذاته على خلقه، يعلم السر وأخفى في ملكه وهو القائم عليهم والمحيط بهم قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] ، وقد ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، وأنه فوق الماء، وأن الماء فوق السماء، والله عز وجل فوق ذلك محيط بالخلائق ويعلم ما هم عليه، روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) [5] .

وقد ذكر الله في كمال مجده اختصاص الكرسي بالذكر دون العرش في أعظم آية في كتابه فقال سبحانه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255] ، والكرسي كما فسره السلف الصالح ما يكون تحت قدم الملك عند استوائه على عرشه، وقد بين الله من كمال وصفه وسعة ملكه لمن أعرض عن طاعته وتوحيده في

(1) النهاية في غريب الحديث 4/ 298، ولسان العرب 3/ 396، واشتقاق أسماء الله ص 152، ومفردات ألفاظ القرآن ص 760، وفتح الباري شرح صحيح البخاري 13/ 408.

(2) مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، 1/ 93 (91) .

(3) الموضع السابق، باب في قوله عليه السلام إن الله لا ينام 1/ 161 (179) .

(4) انظر الفوائد ص 182.

(5) البخاري في كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم 6/ 2700 (6987) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت