فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 673

· منهج السلف في العقيدة وأثره في الإيمان بأسماء الله الحسنى:

تقدم أن منهج السلف الصالح في أبسط صوره أنهم كانوا يصدقون خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تصديقا جازما، وينفذون الأمر تنفيذا كاملا، بحيث تنسجم فطرتهم النقية مع دلالة النصوص القرآنية والنبوية [1] ، هذا المبدأ أعني مبدأ تصديق الخبر وطاعة الأمر بعيدا عن الفلسفات العقلية والآراء الكلامية هو غاية من جاء بعدهم وسلك دربهم في مختلف العصور، مهما تنوعت كلماته أو بدت اعتقاداته في توحيد الله.

ونحن لو نظرنا إلى هذا المبدأ بنظرة علمية تحليلية لوجدنا أنه يعبر عن العقيدة الإسلامية الصحيحة بأدق تفاصيلها؛ فالمسلم بقوله: لا إله إلا الله، قد عقد في نفسه عقدا أن يكون الله عز وجل هو المعبود الحق الذي يصدق في خبره دون تكذيب ويطاع في أمره دون عصيان، وهذه حقيقة الإيمان التي نزل بها القرآن، وفهمها أصحاب اللسان، فمن المعلوم أن الكلام العربي قسمان:

الأول: الخبر، وهو يتطلب من المخاطَب التصديق، وقد عرفه العلماء بأنه ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب، فالخبر هو الدال على أن مدلوله قد وقع قبل صدوره أو سيقع بعد صدوره.

الثاني: الأمر أو الطلب، وهو يتطلب من المخاطَب الاستجابة والتنفيذ، وقد عرفه العلماء بأنه ما لا يحتمل الصدق أو الكذب، فمدلوله الإيجابي يحصل مع آخر حرف

(1) المقصود بالسلف الصالح هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون من أدرك عصر خير القرون من بعدهم، وهم المعنيون بما ورد عند البخاري من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خَيْرُكُمْ قرني، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: لاَ أَدْرِى أَذَكَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً) ، رواه البخاري في الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد 2/ 938 (2508) ، وعند البخاري أيضا من رواية ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خَيْرُ النَّاسِ قرني، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يجيء أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) انظر الموضع السابق (2059) ، وبصورة أكثر دقة يمكن القول: إن التعريف الاصطلاحي للسلفي هو من تحقق فيه عاملان، أحدهما: عامل منهجي، وهو كل من قدم النقل على العقل عند توهم التعارض، والثاني: عامل زمني، وهو كل من أدرك القرون الفاضلة أو عصر خير القرون، والذي ينتهي تقريبا في المائتين والعشرين من الهجرة؛ ويقابله أيضا مصطلح الخلف، ويطلق أيضا على من تحقق فيه عاملان أيضا، أحدهما: عامل منهجي وهو كل من قدم العقل على النقل أو قدم الرأي على الكتاب والسنة، والثاني: عامل زمني وهو كل من أعقب القرون الفاضلة أو عصر خير القرون، ويراد بهم من تبع نهج الجهمية من المعتزلة والمتكلمين، انظر تفصيل ذلك في كتابي المحكم والمتشابه وقضية التفويض ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت