وَآخِرَكمْ وَإِنْسَكمْ وَجِنَّكمْ قامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِد فسَألونِي فأعْطيْتُ كل إِنْسَانٍ مَسْألتَهُ مَا نَقصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدي إلا كمَا يَنْقصُ المِخْيَط إِذا أخِل البَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِي أَعْمَالكمْ أُحْصِيهَا لكمْ، تم أوفيكمْ إِيَّاهَا، فمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَليَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فلا يَلومَنَّ إِلا نَفسَهُ) [1] .
فالغني على سبيل الإطلاق والقيام بالنفس هو الله وليس ذلك لأحد سواه، فهو الغني بذاته عن العالمين، المستغني عن الخلائق أجمعين، واتصاف غير الله بالغنى لا يمنع كون الحق متوحدا في غناه، لأن الغنى في حق غيره مقيد وفي حق الله مطلق، وهذا واضح معلوم وذلك مضطرد في جميع أوصافه باللزوم [2] .
الكريم صفة مشبهة للموصوف بالكرم، والكرَم نقيض اللؤم يكون في الرجل بنفسه وإِن لم يكن له آباء، ويستعمل في الخيل والإِبل والشجر وغيرها، كرُمَ الرجل كرَما وكَرَامة فهو كَرِيم وكرِيمة وجمع الكَرِيم كرَماء، والكريم هو الشيء الحسن النفيس الواسع السخي، والفرق بين الكريم والسخي أن الكريم هو كثير الإحسان بدون طلب والسخي هو المعطى عند السؤال، والكرم السعة والعظمة والشرف والعزة والسخاء عند العطاء [3] ، وعند الترمذي وصححه الألباني من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: (الْمُؤْمِنُ غِرّ كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ) [4] .
والله سبحانه هو الكريم الواسع في ذاته وصفاته وأفعاله، من سعته وسع كرسيه السماوات والأرض، كما قال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255] ، ووصف عرشه بالكرم فقال: {فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون:116] ، وهو الكريم له المجد والعزة والرفعة والعظمة والعلو والكمال فلا سميَّ له كما قال: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] ، وهو الذي كرم الإنسان لما حمل الأمانة وشرفه واستخلفه في أرضه وأستأمنه في ملكه وفضله على كثير من خلقه كما قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء:70] ، وهو الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع،
(1) مسلم في البر والصلة والأدب، باب تحريم الظلم 4/ 1994 (2577) .
(2) انظر في معنى الغني تفسير الطبري 3/ 58، وتفسير أسماء الله ص 63، والمقصد الأسنى ص 91.
(3) لسان العرب 12/ 510، والمفردات ص 707.
(4) الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في البخيل 4/ 344 (1964) ، وانظر حكم الألباني على الحديث في الأدب المفرد حديث رقم (418) ، ومعنى غر كريم أي ليس بذي مكر فهو ينخدع لانقياده ولينه وهو ضد الخب هو المخادع الذي يسعى بين الناس بالفساد، انظر عون المعبود 13/ 102.