فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 673

بالخلق والأمر وارتباطهما بهما، وسريان آثارهما في العالم الحسي والعالم الروحي، ورأى تصرف الأسماء ومقتضياتها في الخلائق، كيف عمت وخصت وقربت وأبعدت وأعطت ومنعت؟ فشاهد العبد بقلبه مواقع عدله وقسطه وفضله ورحمته، واجتمع له الإيمان بلزوم حجته مع نفوذ أقضيته وكمال قدرته مع كمال عدله وحكمته، ونهاية علوه على جميع خلقه مع إحاطته ومعيته وجلاله وعظمته وكبريائه وبطشه وانتقامه مع رحمته وبره ولطفه وجوده وعفوه وحلمه، ورأى لزوم الحجة مع قهر المقادير التي لا خروج لمخلوق عنها، وكيف اصطحاب الصفات وتوافقها وشهادة بعضها لبعض، وانعطاف الحكمة التي هي نهاية وغاية على المقادير التي هي أول وبداية، ورجوع فروعها إلى أصولها ومبادئها إلى غاياتها، حتى كأنه يشاهد مباديء الحكمة وتأسيس القضايا على وفق الحكمة والعدل والمصلحة والرحمة والإحسان، لا تخرج قضية عن ذلك إلى انقضاء الأكوان وانفصال الأحكام يوم الفصل بين العباد، وظهور عدله وحكمته وصدق رسله وما أخبرت به عنه لجميع الخليقة، إنسها وجنها، مؤمنها وكافرها [1] .

ثم يذكر ابن القيم أنه حينئذ يتبين للخلق من صفات جلاله ونعوت كماله ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك، حتى إن أعرف خلقه به في الدنيا يثني عليه يومئذ من صفات كماله ونعوت جلاله ما لم يكن يحسنه في الدنيا، وكما يظهر ذلك لخلقه تظهر لهم الأسباب التي بها زاغ الزائغون وضل الضالون وانقطع المنقطعون، فيكون الفرق بين العلم يومئذ بحقائق الأسماء والصفات والعلم بها في الدنيا كالفرق بين العلم بالجنة والنار.

وكذلك يفهم العبد كيف اقتضت أسماؤه وصفاته لوجود النبوة والشرائع وأن لا يترك خلقه سدى؟ وكيف اقتضت ما تضمنته من الأوامر والنواهي؟ وكيف اقتضت وقوع الثواب والعقاب والمعاد؟ وأن ذلك من موجبات أسمائه وصفاته بحيث ينزه عما زعم أعداؤه من إنكار ذلك، ويرى شمول القدرة وإحاطتها بجميع الكائنات حتى لا يشذ

(1) الفوائد ص 166 بتصرف، نشر دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت 1393.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت