فهرس الكتاب
أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة:36] ، فكل مخلوق مهما دق حجمه أو عظم شأنه وجوده له علة مرتبطة بأسماء رب العزة والجلال وما دلت عليه من أوصاف الكمال قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الدخان:38/ 39] ، ومعنى الحق الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق الله ذلك كله، وأعلى هذه الغايات أن يعبد ويعرف بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته، وأن يحب ويدعى ويشكر ويذكر، فالله - عز وجل - له الكمال في أسمائه وأوصافه وأفعاله ولا بد من ظهور آثارها في العالم؛ فمن أسمائه الرحمن الرحيم وهذا يقتضي مرحوما ورحمة، ومن أسمائه المالك الملك المليك، وهذا يقتضي وجود مُلك ومملوك، ومن أسمائه المحسن ويقتضي ذلك وجود الإحسان ومن يحسن إليه من الخلق، وهو سبحانه الرزاق ولا بد من وجود الرزق ومن يرزقه في هذا الملك، وهو أيضا غفار حليم تواب، جواد منان وهاب، حفيظ لطيف وكيل رقيب، قابض باسط قريب مجيب، وهذه الأسماء تقتضي وجود مخلوقات تتعلق بها، وآثار تعرف من خلالها، فلم يكن بد من وجود متعلقاتها وآثارها وإلا تعطلت الأوصاف وبطلت الأسماء.
ومن ثم كانت حكمة الله في وجود الخلائق وابتلائها، وظهور الإنسانية واستخلافها، فتظهر أنواع الكمالات للموحدين ومعنى التوحيد للخلائق أجمعين ويفهموا ثم حقيقة أمر الله ونهيه، ودينه وشرعه، وقضائه وقدره، وكيف يدبر الأمر ويبرم القضاء، ويتصرف في ملكه كيف شاء، ويثيب ويعاقب بأنواع الجزاء فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فيوجد ثم أثر عدله لأنه الحكم، وأثر فضله لأنه المعطي المقيت، وأثر حمده ومجده وشكره لأنه الحميد المجيد الشاكر الشكور، وأثر لطفه وعفوه وتوبته ومغفرته لأنه اللطيف العفو التواب الغفور فيحمد على ذلك ويشكر ويذكر بالحمد في السماء والأرض يقينا من العباد أنه لا إله الله ولا معبود بحق سواه، وأن عبادته تظهر آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها وعندها تشهد مخلوقاته بأن الله ربها وفاطرها ومليكها وأنه وحده إلهها ومعبودها.
والله - عز وجل - من حكمته وعدله أنه جعل الإنسان خليفة في أرضه مستأمنا في ملكه لأنه قبل الأمانة حين رفضتها المخلوقات، فقال سبحانه وتعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى