فهرس الكتاب
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] ، هذه المخلوقات في وضعها الأول قبل تهيئتها على هذا الحال شاركت الإنسان في مبدأ قبول الأمانة على شرط الجزاء والحساب والثواب والعقاب، ومن لوازم التخيير وكمال العدل أنه كان من الممكن لهذه المخلوقات رفض الأمانة أو قبولها، وكان من الممكن أيضا رفض الإنسان لحملها أو استجابة السماوات والأرض والجبال، كل ذلك ليتحقق عدل الله في الكون ولا يكون لأحد حجة على خالقه، قال تعالى: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] .
والله - عز وجل - يفعل ما يشاء في ملكه، وكل شيء محكوم بقضائه وقدره، إن شاء أجبر السماء على حمل أمانته، وإن شاء أكره الأرض والجبال بقدرته؛ إلا أن عدله من لوازم حكمته، وتخيير المخلوقات في حمل الأمانة من كمال حجته، واستقرار العالم على الرضا والمحبة من بديع صنعته، ومن ثم بعد تخيير الله - عز وجل - للسماوات والأرض والجبال في قبول الأمانة أو رفضها، وبعد ممارسة حقهن في الاختيار ورفضهن لها كان من كمال عدله سبحانه أنه خيرهن مرة أخرى، لكن التخيير هذه المرة في إظهار الرضا والطاعةِ التامة إذا كلفهن بعمل ما أو سخرهن لوظيفة ما حتى وإن كانت لصالح الإنسان الذي قبل الأمانة؛ فاخترن جميعا الطاعة والخضوع لله - عز وجل - يكلفهن بما شاء، وسوف يلتزمن بأحكام القضاء على وجه الكمال، وبهذا التخيير الثاني قامت المخلوقات على محبة الله تعالى والرضا بأمره في العمل على استقرار الكون وثباته وأمنه، وذلك حتى تتحقق مسئولية الإنسان في حمل الأمانة؛ فمن المعلوم أن أداء العمل المبني على الرضا أبلغ من العمل المبني على العدل فقط، ولذلك خير الله المخلوقات في قضية التسخير للإنسان، قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت:11] ، والمعنى كما ذكره المفسرون استجيبا لأمر الله لتتهيأن على الوضع الذي يسمح للإنسان بأن يكون مستفيدا منكن أمينا في الأرض بينكن، بحيث يتحقق فيكن الوضع الأكمل لاختباره وامتحانه، ائتيا طوعا أو كرها؟ قالتا: أتينا طائعين مسخرين خاضعين محبين راغبين تنفيذا لمراد رب العالمين.
وبعد استجابة السماء والأرض وما عليها لمبدأ التسخير والطاعة فصل الله السماء عن الأرض وجعلها سبعا طباقا، وزين السماء الدنيا بالنجوم والكواكب، وثبت