فهرس الكتاب
الأرض بالجبال بحيث لا يؤثر في استقرارها بركان أو زلزال، كل ذلك ليتمكن الإنسان من الحياة في دار تناسب معنى الامتحان، ويبقى مستقرا بين الكائنات في أمان إلى يوم القيامة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف ظهر الكون والإنسان بحيث يتحقق فيه مقتضى الأسماء الحسنى؟
لا بد أولا من فهم الأبعاد الاعتقادية لقضية استخلاف الإنسان في الأرض فالخلافة في اللغة تعني النيابة عن الغير، ولا بد فيها من استخلاف المستخلِف بكسر اللام للمستخلَف بفتحها وإذنه له بها، ولا تصح في اللغة بغير هذا البتة، قال الراغب الأصفهاني: (الخلافة النيابة عن الغير، إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته وإما لعجزه، وإما لتشريف المستخلَف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض) [1] .
كثير من السلف والخلف دارت أقوالهم حول رأيين اثنين، فمنهم من يرى أن الإنسان خليفة ينوب عن الله في تنفيذ الأحكام والعمل بشريعة الإسلام، وهذا قول ابن مسعود - رضي الله عنه - وبعض المفسرين، ومنهم من يرى أن الخلافة هي خلافة قرن لقرن يخلف بعضهم بعضا، وهذا قول ابن عباس - رضي الله عنه - وطائفة أخرى من المفسرين [2] .
والحقيقة أن استخلاف الإنسان في الأرض يشمل الأمرين معا، وقد بينت ذلك تفصيلا في بحث مستقل عن بداية الكون والإنسان، لكن يمكن القول بإيجاز إن الاستخلاف الوارد في القرآن له عند التحقيق معنيان:
الأول: استخلاف عن نقص الأوصاف بحكم طبيعة الإنسان، ويكون عند عجز المستخلِف عن القيام بملكه أو تدبير أمره، إما لغيابه أو قلة علمه، وإما لمرضه أو موته كاستخلاف القائد نائبا على جنده أو قومه، كما ورد في قوله تعالى عن موسي - عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَي لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِين} [الأعراف:142] .
الثاني: استخلاف عن كمال الأوصاف وذلك إذا كان لتشريف الإنسان وإكرامه
(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 4/ 88، ومنهاج السنة النبوية 1/ 494، وانظر التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي 2/ 322، والمفردات للراغب الأصفهاني ص 156.
(2) زاد المسير لابن الجوزي 1/ 60، وتفسير ابن جرير 1/ 199، وتفسير ابن كثير 1/ 70.