فهرس الكتاب
أو اختباره وامتحانه، وليس لعجز المستخلِف عن القيام بشؤونه كالطبيب في سنة الامتياز إذا فحص مريضا بين يدي الأستاذ، فإن اجتاز الامتحان فقد فاز ونال الشرف بشهادة عظيمة، وهذا معلوم في كل فطرة سليمة، وإن لم يؤد الواجب على الوجه المطلوب فإن مصيره الرسوب طلبا للاجتهاد وتلاشي العيوب.
إذا علم ذلك فإن الله - عز وجل - وله المثل الأعلى لما قال لملائكته: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] ، تحقق في الخلافة المعنيان، أن يخلف بعضهم بعضا على وجه النقص وتعاقب الأجيال بمرور الزمان، وأن يكون الإنسان خليفة لله في الأرض على وجه الابتلاء والامتحان، وبهذا يزول الإشكال ويتآلف الرأيان، فقوله - عز وجل: {آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7] ، يعني مستخلفين عمن سبق علي وجه النقص وتعاقب الأجيال، ومستخلفين في أرض الله أيضا علي وجه الكمال، وكل موضع فيه ذكر الاستخلاف فإنه يدل علي المعنيين معا، أن الإنسان خليفة لمن سبق من الذرية عن نقص في الأوصاف البشرية، وخليفة لله علي وجه الكمال استخلفه رب العزة والجلال لإظهار المعاني الشرعية غير أنه لا حول له ولا قوة في معاني الربوبية، وهنا يظهر مقتضى توحيد العبد لربه في أسمائه وصفاته، فالله استخلف الإنسان في الأرض وهو معه من فوق عرشه يتابعه ويراه ويسمعه؛ لكنه بين أن استخلافه في هذه الدار علي وجه الابتلاء والاختبار، وتخويله في الأمانة على وجه الترقب والانتظار، وجزائه عند الحساب إما إلي جنة وإما إلي نار، كما قال رب العزة والجلال: {الذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ} [الملك:2] ، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان:3] .
وينبغي التنبه إلى أن استخلاف الإنسان في الأرض ليس عن غيبة المستخلِف كما يتوهم من لم يفهم الآيات علي الوجه الصحيح، وظن أن الإنسان لو كان خليفة لله في الأرض لاقتضى ذلك معاني النقص في حق الله وأن الله - عز وجل - ما غاب حتى يستخلف غيره، وهذا يصح لو كان استخلافا مطلقا في معاني الربوبية، لكن المقصود هو استخلاف مقيد على سبيل الابتلاء والامتحان، كما أن الاستخلاف وإن اقتضى