فهرس الكتاب
الغياب بين الناس في العادة إلا أنه في استخلاف الله للإنسان كان السبب المباشر في وجود عالم الغيب وعالم الشهادة، وهذه قضيه كبيرة وحقيقة مثيرة كشفت عنها آيات كثيرة بينتها مفصلة في بحثنا بداية الكون والإنسان، وهنا أقول وأؤكد إن استخلاف الإنسان في الأرض ترتب عليه تهيئة الكون في مرحلته الأخيرة بحيث يحقق معنى الابتلاء بوجود عالم الغيب والشهادة، ولهذا أيضا هيأ الله الإنسان بمدارك محدودة لا يستطيع تجاوزها، ومن ثم فإن الغيب والشهادة ليس بالنسبة لعلم الله بخلقه ولكن بالنسبة لعلم الإنسان بمخلوقات ربه فهي مسألة نسبية، وذلك ليظهر مقتضى إيمان العبد بالغيب وتوحيده لله في أسمائه وصفاته، فيوحد الله في اسمه العليم وما دل عليه الاسم من وصف العلم، وأن علم الله علم مطلق شامل لكل صغيرة وكبيرة في الخلق، قال الله - عز وجل: {عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ} [الرعد:8] ، ويقر الموحد في المقابل بمحدودية علمه ولا يفتن به مهما بلغ شأنه، قال - عز وجل: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ العِلمِ إِلا قَلِيلا} [الإسراء:85] ، ومطلوب منه أيضا ألا يدعي علم ما لا يخصه مما انفرد الله به كعلم الغيب وأمور التقدير والاطلاع على اللوح وما دون فيه من تقرير المصير، قال تعالى: {قُل لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إِلا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل:65] .
وكما وحد العبد ربه في اسمه العليم فإنه مطالب بتوحيده أيضا في اسمه السميع البصير الرقيب الخبير لأن علمه مهما بلغ محدود وحواسه لها حدود وقيود سيحاسب عليها في يوم موعود، فمطلوب من جهة الأمر والتكليف والمدح والتشريف أن ينطق بشهادة الحق وأن يترك قول الزور ويتحرى الصدق ليكون وقافا عند حدود مداركه وينسب مطلق الكمال في الوصف إلى خالقه، ومن ثم يوحد الله في اسمه السميع البصير الرقيب الخبير قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا} [الإسراء:36] ، وعند البخاري من حديث أبي بكرة عن أبيه - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ قُلنَا: بَلَي يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللهِ وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حتى قُلتُ: لا يَسْكُتُ) [1] .
(1) البخاري في كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر 5/ 2229 (5631) .