والله عز وجل باطن احتجب بذاته عن أبصار الناظرين لحكمة أرادها في الخلائق أجمعين، فالله يُرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا لأنه شاء أن تقوم الخلائق على معنى الابتلاء، ولو رأيناه في الدنيا وانكشف الحجاب والغطاء لتعطلت حكمة الله في تدبيره الأشياء، قال تعالى: {ألمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ} [إبراهيم:19] ، فالعلة في احتجابه وعدم رؤيته هي الامتحان والابتلاء، قال تعالى: {الذي خَلقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ ليَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] ، ومن هنا كان البطون ووضع الغطاء على أهل الابتلاء أو كشف الحجاب عند الانتقال لدار الجزاء قال تعالى {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد} [ق:22] ، فكيف يتحقق الإيمان بالله ونحن نراه؟ وكيف تستقيم الشرائع في مخالفة الإنسان هواه؟ [1] .
وإذا كان الله تعالى لا يرى في الدنيا ابتلاءا فإنه سبحانه يرى في الآخرة إكراما وجزاءا، إكراما لأهل طاعته وزيادة في النعيم لأهل محبته، كما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22/ 23] ، وقد تواترت الأحاديث في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فالعلة إذا في احتجابه وعدم إدراك كيفية أوصافه ليست عدم وجودها ولا استحالة رؤية الله تعالى، ولكن العلة قصور الجهاز الإدراكي في الحياة الدنيا عن إدراك حقائق الغيب، لأن الله عز وجل خلق الإنسان بمدارك محدودة لتحقيق معنى الابتلاء، قال تعالى: {إِنَّا خَلقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَليهِ فَجَعَلنَاهُ سَمِيعا بَصِيرا} [الإنسان:2] ، فمن الصعب أن يرى الإنسان ما بطن من الغيبيات، أو يرى كيفية الذات والصفات، فالشيء لا يرى إلا لسببين: الأول خفاء المرئي وهو ممتنع في حق الله، والثاني ضعف الجهاز الإدراكي للرائي وهذا شأن الإنسان [2] .
فمن الخطأ البحث عن كيفية الحقائق الغيبية أو كيفية الذات والصفات الإلهية، لأن الله باطن احتجب عن خلقه في عالم الشهادة بالنواميس الكونية، أما في الآخرة عند لقائه فالأمر يختلف إذ أن مدركات الإنسان وقتها تتغير بالكيفية التي تناسب أمور الآخرة وأحداثها، كما ثبت في السنة أن الإنسان سيكون عند دخول الجنة على صورة آدم - عليه السلام - طوله ستون زراعا [3] ، والله عز وجل مع أنه الباطن الذي احتجب عن أبصار الناظرين لجلاله وحكمته وكمال عزته وعظمته إلا أن حقيقة وجوده وكمال أوصافه نور يضيء بصائر المؤمنين، فهو القريب المجيب الذي يسمع الخلائق أجمعين.
(1) انظر للمقارنة: كتاب التوحيد لابن منده 2/ 82.
(2) انظر شرح العقيد الطحاوية ص 211.
(3) انظر حديث البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه 3/ 1210 (3148) .