فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 673

إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفلِتْهُ، قَالَ ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرَى وَهي ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} ) [1] .

القول الثالث: أن المؤمن هو الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه، لأنه الواحد الذي وحد نفسه فقال: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِما بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:18] [2] ، وهذه الآية تحمل أعظم المعاني في كشف حقيقة التوحيد وكيف خلق العباد من أجله؟

وبيان ذلك أننا لو فرضنا بقياس الأولى ولله المثل لأعلى طلابا وأساتذة ومقررا واختبارا، وبعد الاختبار تنازع المجتهدون من الطلاب مع الكثرة الغالبة في صحة ما أجابوا به، فزعم الخاسرون أنهم على الصواب وأن إجابتهم توافق المنهج المقرر في الكتاب وأن المجتهدين من الطلاب هم المخطئون في إجابتهم، ثم بالغوا وطلبوا شهادة أستاذهم، فشهد بخطئهم وصحة جواب المجتهدين، فكذبوا أستاذهم وطلبوا شهادة الأعلى من المتخصصين، فشهدوا لأستاذهم وللطلاب المجتهدين، فكذبوهم وطلبوا شهادة من وضع الاختبار، ومن يرجع إليه القرار، وأقروا على أنفسهم أن شهادته ملزمة لهم وأنها فصل المقال، فشهد من وضع الاختبار بصحة جواب المتخصصين والأساتذة والطلاب المجتهدين وكانت شهادته للجميع إخبارا وتصديقا وقولا فصلا وإعلاما وحٌكما عدلا لا مجال لرده ولا معقب لحكمه.

إذا علم ذلك فالله عز وجل وله المثل الأعلى جعل قضية الخلق هي شهادة ألا إله إلا الله وأنه لا معبود بحق سواه، وجعل أحكام العبودية أو الأحكام الشرعية هي المنهج المقرر على طلاب السعادة في هذه الدنيا كما قال: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38] ، فإذا أهمل طلاب السعادة منهج الهداية، وجعلوا سعادتهم في عبودية الشهوات والشبهات وتناسوا مرحلة الابتلاء والكفاح والرغبة في النجاح والفلاح، وتسببوا في ضلالهم بمخالفتهم رسلهم، ثم أعلنوا زورا وبهتانا أنهم كانوا على الصواب، وأنهم الكثرة الغالبة عند الحساب، وأنهم أجابوا بادعائهم وفق ما تقرر في الكتاب، فكذبوا على أنفسهم كما ذكر الله في شأنهم: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون} [الأنعام:23/ 24] ، وهنا شهد أولو العلم وشهدت الملائكة بضلال المشركين وصحة ما جاء عن رسلهم، وشهد الله بصدق المرسلين وخسران

(1) البخاري في كتاب التفسير، باب قوله وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة 4/ 1726 (4409) ومسلم في كتاب، باب تحريم الظلم 4/ 1997 (2583) .

(2) تفسير الطبري 28/ 54، وروح المعاني 28/ 63، الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى 1/ 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت