فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 673

الوِتْرُ في اللغة هو الفرْدُ أَو ما لم يَتَشَفعْ من العَدَدِ، و التواتر التتابع، وقيل هو تتابع الأشياء وبينها فجوات وفترات، وتواترت الإبل والقطا وكل شيء إذا جاء بعضه في إثر بعض غير مصطفة [1] ، وقوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر:3] ، قيل الوتر آدم - عليه السلام - والشَّفع أنه شُفِعَ بزوجته، وقيل الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وقيل الأَعداد كلها شفع ووتر كثرت أَو قلت، وقيل الوتر هو الله الواحد، والشفع جميع الخلق خلقوا أَزواجًا، وكان القوم وتِرا فشَفعْتهم وكانوا شَفعا فوَتَرْتهم [2] ، وعند البخاري من حديث ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - أن رجلا سَأَل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرَى فِي صَلاَةِ الليْلِ؟ قَالَ: (مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى) [3] ، وعند الترمذي وصححه الألباني من حديث سَلَمَة بْنِ قيْسٍ - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا تَوَضَّأتَ فَانْتَثِرْ وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ) [4] ، أي اجعل الحجارة التي تستنجي بها فردًا استنج بثلاثة أَحجار أَو خمسة أَو سبعة ولا تستنج بالشفع.

والله تعالى وتر انفرد عن خلقه فجعلهم شفعا، وقد خلق الله المخلوقات بحيث لا تعتدل ولا تستقر إلا بالزوجية ولا تهنأ على الفردية والأحدية، يقول تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ} [الذاريات:49] ، فالرجل لا يهنأ إلا بزوجته ولا يشعر بالسعادة إلا مع أسرته والتوافق بين محبتهم ومحبته، فيراعى في قراره ضروريات أولاده وزوجته، ولا يمكن أن تستمر الحياة التي قدرها الله على خلقه بغير الزوجية حتى في تكوين أدق المواد الطبيعية، فالمادة تتكون من مجموعة من العناصر والمركبات وكل عنصر مكون من مجموعة من الجزيئات، وكل جزيء مكون من مجموعة من الذرات، وكل ذرة لها نظام في تركيبها تتزاوج فيه مع أخواتها، سواء كانت الذرةُ سالبةً أو موجبةً، فالعناصر في حقيقتها عبارة عن أخوات من الذرات متزاوجات متفاهمات متكاتفات ومتماسكات، ومن المعلوم أنه لا يتكون جزئُ الماء إلا إذا اتحدت ذرتان من الهيدروجين مع ذرة واحدة من الأكسجين، فالذرات متزاوجة سالبها يرتبط بموجبها ولا تهدأ ولا تستقر إلا بالتزاوج بين بعضها البعض، فهذه بناية الخلق بتقدير الحق بنيت على الزوجية والشفع، أما ربنا عز وجل فذاته صمدية وصفاته فردية، فهو المنفرد بالأحدية والوترية، وقد ثبت عند مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَة - رضي الله عنه - مرفوعا: (إِن اللهَ عَزَّ وَجَل وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ) [5] .

(1) لسان العرب 5/ 275.

(2) التبيان في تفسير غريب القرآن ص 461، والتبيان في أقسام القرآن ص 20، وانظر السابق 5/ 273.

(3) البخاري في كتاب الصلاة، باب الحلق والجلوس في المسجد 1/ 179 (460) .

(4) الترمذي في الطهارة، باب ما جاء في المضمضة 1/ 40 (27) ، والسلسلة الصحيحة 3/ 291 (1305) .

(5) مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب في أسماء الله تعالى 4/ 2062 (2677) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت