فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 673

فالشكور فعول من الشكر، وأصل الشكر الزيادة والنماء والظهور، وحقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه [1] .

وشكر العبد على الحقيقة إنما هو إقرار القلب بإنعام الرب ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان وعمل الجوارح والأركان، قال تعالى: {اعْمَلوا آلَ دَاوُدَ شُكرا وَقَلِيل مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13] ، وفي صحيح البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال: (فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ الله عَبْدًا شَكُورًا، أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ .. الحديث) [2] .

والشكور سبحانه هو الذي يزكو عنده القليل من أعمال العباد ويضاعف لهم الجزاء، فيثيب الشاكر على شكره ويرفع درجته ويضع من ذنبه، فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق للعبد ثناؤه عليه بذكر طاعته له.

ويذكر ابن القيم أن الشكور سبحانه هو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده، ويشكره بفعله فإذا ترك له شيئا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئا رده عليه أضعافا مضاعفة، وهو الذي وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك، ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرا خضرا أقر أرواحهم فيها، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث، فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه، ومن شكره سبحانه أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا ويخفف به عنه يوم القيامة، فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان وهو من أبغض خلقه إليه، ومن شكره أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلبا كان قد جهده العطش حتى أكل الثرى [3] .

قال ابن القيم: (الشكور يوصل الشاكر إلى مشكوره، بل يعيد الشاكر مشكورا وهو غاية الرب من عبده، وأهله هم القليل من عباده، قال الله تعالى: {وَاشْكُرُوا لله إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172] .. وسمى نفسه شاكرا وشكورا، وسمى الشاكرين بهذين الاسمين فأعطاهم من وصفه وسماهم باسمه، وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلا، وإعادته للشاكر مشكورا كقوله: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا}

(1) لسان العرب 4/ 424.

(2) البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه 3/ 1215 (3162) .

(3) عدة الصابرين ص 240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت