لأن ذلك تأويل لا يحتمله اللفظ في أصل وضعه أو كما جرت به عادة الخطاب بين العرب فهو أقرب إلى التحريف من كونه تأويلا [1] ، لأنه لا مدح في نفي الصفات عن الله تفصيلا، ولا مدح في النفي إن لم يتضمن كمالا، ولذلك فإن طريقة الكتاب والسنة في إثبات الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل بعكس طريقة المتأخرين من المتكلمين، فالله عز وجل نفى عن نفسه كل صفات النقص إجمالا فقال: {ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} [الشورى:11] ، وقال: {وَلمْ يَكُنْ لهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] ، وأثبت لنفسه صفات الكمال تفصيلا، فقال: {هُوَ اللهُ الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر:22/ 24] ، وغير ذلك من الآيات التي عدد الله فيها أسماءه وأوصافه مثبتا لها ولكمالها ومفصلا في ذلك، أما المتكلمون فإنهم يجملون في الإثبات ويفصلون في النفي، حيث أثبت بعضهم أسماء الله مفرغة من الأوصاف، وبعضهم أثبت سبع صفات فقط ونازع في بقيتها، وأما التفصيل في النفي الذي يبررون به معنى الأحدية فكقولهم ليس بجسم ولا شبح ولا صورة، ولا لحم ولا دم ولا عظم، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة، ولا بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا شخص ولا جوهر ولا عرض، ولا يتحرك ولا يسكن ولا ينقص ولا يزداد .. إلى غير ذلك من أنواع النفي الذي يملأ صفحات متعددة.
وهذه طريقة سقيمة في إثبات التفرد والأحدية تنافى الفطرة وتبعث على الاشمئزاز فهي تماثل قول القائل في مدح ما تميز به الأمير: لست بزبال ولا كناس ولا حمار ولا نسناس، ولست حقيرا ولا فقيرا ولا غبيا ولا ضريرا، وكان يغنى عن ذلك أن يجمل في النفي ويقول: ليس لك نظير فيما رأت عيناي.
ومما ينبغي أن يعلم أن النفي الذي يثبت معنى الأحدية ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن وصفا وإثباتا، فنفى السنة والنوم عن الله يتضمن الأحدية في كمال الحياة والقيومية، ونفى الظلم يتضمن كمال العدل، وهكذا في سائر ما نفى الله عن نفسه من أوصاف النقص، وكل نفى لا يستلزم ثبوتا لم يصف الله به نفسه، أما الذي يقول عن الله: ليس بجسم فهل يعنى أنه عرض؟، فيقول: وليس عرضا، فماذا يكون إذا؟ هل يكون شبحا؟ يقول: ولا شبحا، فإن سئل هل هو داخل العالم؟ فيقول: ولا داخل العالم، فخارجه إذًا؟ يقول: ولا خارجه، ولا ولا ولا .. إلى غير ذلك من سفسطة القول ومهاترات النفي، ينفي الصفات من غير إثبات، ويظن أن ذلك معنى
(1) انظر في أنواع التأويلات الباطلة مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص 43 وما بعدها.