والحمد والشكر مُتَقاربان لكن الحمد أعَمُّ من الشكر , لأنّك تحمَد الإنسان على صِفاته الذَّاتِّية وعلى عطائه ولا تَشْكُره على صِفاته [1] .
قال الراغب: (الحمد أخص من المدح وأعم من الشكر، فإن المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، وما يقال منه وفيه بالتسخير، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، والشكر لا يقال إلا في مقابلة نعمة، فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، وكل حمد مدح وليس كل مدح حمدا، ويقال فلان محمود إذا حمد، ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة) [2] .
والحميد سبحانه هو المستحق للحمد والثناء، حمد نفسه فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] ، فهو سبحانه المحمود على ما خلق وشرع، ووهب ونزع، وضر ونفع، وأعطى ومنع، وعلا بذاته وشأنه فارتفع، وأمسك السماء عن الأرض أن تقع وفرش الأرض فانبسط سهلها واتسع، حمد نفسه وحمده الموحدون فله الحمد كله قال ابن القيم ا: (الحمد كله لله رب العالمين .. فإنه المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه، فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة وعلى خلق الرسل وأعدائهم، وهو المحمود على عدله في أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه، فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده، ولهذا سبح بحمده السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده) [3] .
وروى البخاري من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ .. الحديث) [4] .
وكذلك فإن الله عز وجل هو الحميد الذي يحمده عباده الموحدون لأنهم يعلمون أن الله خلق الدنيا للابتلاء وخلق الآخرة للجزاء، فهم يحمدونه على السراء والضراء
(1) لسان العرب 3/ 156، وتفسير الطبري 13/ 179، وبصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروز آبادي 2/ 499، تحقيق محمد على النجار المكتبة العلمية، وفتح الباري 8/ 351.
(2) المفردات ص 256.
(3) طريق الهجرتين ص 192.
(4) تفسير الطبري 15/ 144، وتفسير القرطبي 10/ 309.