إهلاك أو إصلاح، وإن كان في ذلك مخطئا آثما آتيا ما هو محظور عليه بإحالته بينه وبين مالكه، فإن رجع ذلك الشيء على صاحبه قيل: رجع إلى ملكه أي إلى حاله التي كان فيها حقيقة، والله عز وجل قادر على الأشياء التي خلقها ويخلقها لا يمتنع عليه منها شيء، وقد قرأ ابن كثير ونافع وأَبو عمرو وابن عامر وحمزة مَلِك يوم الدين بغير أَلف، وقرأَ عاصم والكسائي ويعقوب مالك بأَلف، وقد رويت القراءتان عن النبي صلى الله عليه وسلم [1] .
والله عز وجل مالك الملك، ملكه عن أصالة واستحقاك لأنه الخالق الحي القيوم الوارث، فعلة استحقاق الملك أمران:
الأول: صناعة الشيء وإنشائه واختراعه، فالعاقل يعلم عقلا أن المخترع له براءة الاختراع والمؤلف له حق الطبع والنشر، روى البخاري عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لهُ) [2] ، وَيُرْوَى ذلك أيضا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم [3] ، وإذا كان ملوك الدنيا لا يمكن لأحدهم أن يؤسس ملكه بجهده منفردا فلا بد له من ظهير أو معين، سواء من أهله وقرابته، أو حزبه وجماعته، أو قبيلته وعشيرته، فإن الله عز وجل هو المتفرد بالملكية حقيقة، فلا أحد ساعده في إنشاء الخلق أو عاونه على استقرار الملك، أو يمسك السماء معه أن تقع على الأرض، قال سبحانه وتعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] ، وقال أيضا: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلينَ عَضُدا} [الكهف:51] ، وعند البخاري من حديث عمران - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان اللهَ ولم يكن شيء قبلهُ، وكان عرشه على الماء، ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ وكتب في الذكر كل شيء) [4] .
الثاني: دوام الحياة فهو علة أخرى لاستحقاق الملك لأنه يوجب انتقال الملكية وثبوت التملك، ومعلوم أن كل من على الأرض ميت فان كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال والإكرام} [الرحمن:27] ، وقال أيضا: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إِليْنَا تُرْجَعُون} [العنكبوت:57] ، ولما كانت الحياة وصف ذات لله والإحياء وصف فعله، فإن المُلْك بالضرورة سيئول إلى خالقه ومالكه كما قال: لمَنِ
(1) اشتقاق أسماء الله للزجاج ص 43، ولسان العرب لابن منظور 10/ 491، وكتاب السبعة في القراءات لأبي بكر البغدادي ص 104.
(2) البخاري في كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضا مواتا 2/ 823.
(3) السابق 2/ 823.
(4) البخاري في كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء 6/ 2699 (6982) .