للمقسوم في سابق التقدير.
فالرزاق سبحانه هو الذي يتولى تنفيذ العطاء الذي قدره لأرزاق الخلائق لحظة بلحظ فهو كثير الإنفاق، وهو المفيض بالأرزاق رزقا بعد رزق، مبالغة في الإرزاق وما يتعلق بقسمة الأرزاق وترتيب أسبابها في المخلوقات، ألا ترى أن الذئب قد جعل الله رزقه في أن يصيد الثعلب فيأكله، والثعلب رزقه أن يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ رزقه أن يصيد الأفعى فيأكلها، والأفعى رزقها أن تصيد الطير فتأكله، والطير رزقه في أن يصيد الجراد فيأكله [1] ، وتتوالى السلسلة في أرزاق متسلسلة رتبها الرزاق في خلقه، فتبارك الذي أتقن كل شيء في ملكه وجعل رزق الخلائق عليه، ضمن رزقهم وسيؤديه لهم كما وعد، وكل ذلك ليركنوا إليه ويعبدوه وحده لا شريك له قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:57] [2] .
فالأرزاق مقسومة ولَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قَالَ: (قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:(قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ) [3] .
وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكل شَيْء قَدْرا} [الطلاق:3] ، وفي هذا بيان أن الذي قدره من الرزق على العموم والإجمال سيتولاه في الخلق على مدار الوقت والتفصيل فهو سبحانه الرزاق الخلاق القدير المقتدر، قال ابن القيم:
وكذلك الرزاق من أسمائه والرزق من أفعاله نوعان
رزق على يد عبده ورسوله نوعان أيضا ذان معروفان
رزق القلوب العلم والإيمان والرزق المعد لهذه الأبدان
هذا هو الرزق الحلال وربنا رزاقه والفضل للمنان
(1) المستطرف في كل فن مستظرف 2/ 230.
(2) شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 235، وتفسير الأسماء للزجاج ص 38، والمقصد الأسنى ص 79.
(3) مسلم في القدر، باب بيان الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص 4/ 2050 (2663) .