[النساء:58] ، والحَكَم بفتحتين هو الحاكم، وحَكَّمه في ماله تحكيمًا إذا جعل إليه الحُكْمَ فيه، واحتكموا إلى الحاكم وتَحَاكمُوا بمعنى واحد قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء:65] ، والمحاكمة هي المخاصمة إلى الحاكم [1] .
والحكم سبحانه هو الذي يحكم في خلقه كما أراد، إما إلزاما لا يرد وإما تكليفا على وجه الابتلاء للعباد، فحكمه في خلقه نوعان:
أولا: حكم يتعلق بالتدبير الكوني وهو واقع لا محالة لأنه يتعلق بالمشيئة، ومشيئة الله لا تكون إلا بالمعنى الكوني فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومن ثم لا معقب لحكمه ولا غالب لأمره ولا راد لقضائه وقدره، ومن هذا الحكم ما ورد في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [الرعد:41] ، وكذلك قوله: {قَال رَبِّ احْكُمْ بِالحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ المُسْتَعَانُ عَلى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء:112] ، أي افعل ما تنصر به عبادك وتخذل به أعداءك.
ثانيا: حكم يتعلق بالتدبير الشرعي وهو حكم تكليفي ديني يترتب عليه ثواب وعقاب وموقف المكلفين يوم الحساب، ومثاله ما جاء في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلتْ لكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلى عَليْكُمْ غَيْرَ مُحِلي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة:1] ، ومثال الحكم الشرعي أيضا قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلى اللهِ} [الشورى:10] ، وقوله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلكَ وَمَا أُولئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ} [المائدة:43] .
قال القرطبي: (فالحَكَم من له الحكم وهو تنفيذ القضايا وإمضاء الأوامر والنواهي وذلك بالحقيقة هو الله تعالى، فهذا الاسم يرجع تارة إلى معنى الإرادة، وتارة إلى معنى الكلام، وتارة إلى الفعل، فأما رجوعه إلى الإرادة فإن الله تعالى حكم في الأزل بما اقتضته إرادته، ونفذ القضاء في اللوح المحفوظ، يجري القلم فيه على وفاق حكم الله، ثم جرت الأقدار في الوجود بالخير والشر، والعرف والنكر على وفاق القضاء والحكم، وإذا كان راجعا إلى معنى الكلام فيكون معناه المبين لعباده في كتابه ما يطالبهم به من أحكامه كما يقال لمن يبين للناس الأحكام
(1) لسان العرب 12/ 140، وكتاب العين 3/ 66، والمغرب للمطرزي 1/ 218.