ضعيف إلى حذاء جرم الشمس ولله المثل الأعلى) [1] .
ومن حكمة الله عز وجل في خلقه أنه إن أعطى أحدا من عباده كمالا ابتلاه في الجمال، وإن أعطاه جمالا ابتلاه في الكمال، وإن أعطاه كمالا وجمالا ابتلاه في دوام الحال، فربما يبلغ المرء كمالا في الغني بحيث يفوق الآخرين فيه حتى يبلغ الوصف أعلاه، لكنه مبتلى في غناه فربما يكون جاهلا أو مريضا، أو قبيحا أو عقيما، أو مبتلى في ولده وزوجته، أو أهله وعشيرته أو غير ذلك من أنواع البلاء.
وكذلك ربما تجد امرأة بلغت كمالا في الخلق والنسب، ولها منزلة كبيرة في الشرفِ والحسب، وعلى قدر كبير من العلم والفهم، وهي أبعد ما تكون عن الخيانة وموصوفة بالصدق والأمانة، غير أنها قبيحة سوداء، أو دميمة بكماء، لا تسر أحدا من الناظرين، أعطاه الله من جهة الكمال وابتلاها من جهة الجمال.
والله عز وجل لو أعطى أحدا من عباده كمالا وجمالا ابتلاه في دوام الحال؛ فما يلبث أن يموت الخليفة العادل أو يغتال، وكل ذلك عن حكمة الله في خلقه، ليعلموا أن الجلال المطلق في أسمائه وصفاته، وأنه هو المنفرد به دون غير، فالوحيد الذي اتصف بالكمال والجمال هو رب العزة والجلال، بل كل اسم من أسمائه فيه الكمال والجمال معال، قال تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام} [الرحمن:78] .
ويذكر ابن القيم أنك إذا أضفت إلى كماله وجماله ما كان من إحسانه في ملكه وإنعامه على خلقه، فإنه لا يتخلف عن حبه إلا الجاحدون وأصحاب القلوب والخبيثة والنفوس الخسيسة، فإن الله فطر النفوس على محبة المحسنين إليهم، المتصفين بالكمال والجمال، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها القلوب، فمن المعلوم أن مقلب القلوب لا أحد يعظمه إحسانا وجمالا، أو إنعاما وكمالا، فلا شيء أكمل من الله وشيء لا أجمل من الله، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعته، وكمال قدرته وبديع حكمته، وكل هذه أوصاف دلت عليها الأسماء، فلا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، له الفضل كله على خلقه وجنه وإنسه، له النعمة السابغة والحجة البالغة، والسطوة الدامغة، ليس في أفعاله عبث، ولا في أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن المصلحة والحكمة والفضل والرحمة، كلامه صدق، ووعده حق وعدله ظاهر في سائر الخلق، إن أعطى فبفضله ورحمته، وكرمه ونعمته، وإن منع أو عاقب فبعدله
(1) روضة المحبين 1/ 418.