الرحمة لأنه الغفور الرحيم، ولا تلحق هذه الرحمة كما ورد في الآية إلا المؤمنين التائبين المصلحين، ومن الأدلة التي تتضمن الاسم ودلالته على الوصف معا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد:28] ، وقال تعالى عن نبيه نوح - عليه السلام - ومن ركب معه السفينة: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود:41] ، ومعلوم أن من ركب السفينة هم أهل التوحيد والإيمان، وقال تعالى عن رحمته التي شملت أهل الجنان: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:57/ 58] ، والأدلة في ذلك كثيرة وتتبعها في القرآن والسنة يطول، فالرحيم ورد في أغلب النصوص على أنه المتصف بالرحمة الخاصة، والاسم يدل باللزوم على ما دل عليه اسمه الرحمن، ويدل أيضا على الأوصاف المتعلقة بالرحمة الخاصة لأن رحمة الله للمؤمنين تدل على اتصافه باللطف والحلم والرأفة، والكرم والإحسان والود، والمنة والعفو والرفق، وكل ما يرافق الرحمة الخاصة التي يرحم الله بها أهل طاعته، واسم الله الرحيم دل على صفة من صفات الأفعال لأنها تتعلق بمشيئته.
وتجدر الإشارة إلى أن اسمي الله الرحمن الرحيم يجتمعان في المعنى من جهة تعلقهما بالمشيئة، ويفترقان من جهة تعلقهما بالحكمة، فالرحمن دل على الرحمة العامة والرحيم دل على الخاصة، فمن الوجه الأول ورد الجمع بينهما في حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - الذي رواه الطبراني وحسنه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ - رضي الله عنه: (ألا أعَلمُك دُعاء تَدعو به لو كَان عليكَ مثل جبلِ أحدٍ دَيْنا لأدَّاه الله عنْكَ، قل يا معاذ: اللهمَّ مَالِكَ المُلكِ، تُؤْتِي المُلكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزِعُ المُلكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَحمَن الدُنيا والآخِرَة ورَحيمَهما، تُعْطيهُما مَن تَشاء وتمنَعُ مِنْهما مَنْ تَشاء، ارحمني رَحمة تُغْنِيني بها عَن رَحمةِ مَنْ سِوَاك) [1] ، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تعلق الرحمة بالمشيئة جمع بين الاسمين في المعنى، أما الوجه الثاني في تعلق الاسمين بالحكمة؛ فإن حكمة الله اقتضت أن تكون الدنيا قائمة على معنى الابتلاء ويناسبها الرحمة العامة، و أن تكون الآخرة قائمة على معنى الجزاء ويناسبها الرحمة الخاصة، والأدلة السابقة كافية في إظهار الفرق بينهما.
(1) رواه الطبراني في الصغير بإسناد جيد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1821) .