وورد الدعاء بمعان أخرى أغلبها يعود لما سبق كالحث على الشيء والاستفهام والقول والتسمية وغيرها [1] ، أما المسألة لغة فأصلها استدعاء الشيء وطلب معرفته والسؤال عنه، فاستدعاء المال أو ما يؤدي إليه طلبه والحرص عليه وسؤال الآخرين منه، واستدعاء المعرفة طلبها والحرص على حصولها، روى الترمذي وصححه الألباني من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تَحِل الْمَسْأَلَةُ لِغَنِي وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِي) [2] ، وعند البخاري من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: قَدْ أَجَبْتُكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلاَ تَجِدْ عَلَي فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ؟ فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ آللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: اللهُمَّ نَعَمْ .. الحديث) [3] .
والسؤال إن كان من العبد لربه كان طلبا ورجاء ومدحا وثناء، ورغبة ودعاءا واضطرارا والتجاء، وإن كان من الله لعبده كان تكليفا وابتلاءا، ومحاسبة وجزاءا وتشريفا وتعريفا، فمن النوع الأول قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186] ، وقوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه:36] لما طلب منه آخاه هارون وزيرا، وقوله: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم:34] ، أي من كل حوائجكم وما تطلبونه بلسان حالكم أو مقالكم [4] ، وقوله تعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود:46/ 47] ، وقوله: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُل يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] ، والسؤال في الآية يشمل كل أوجه المعاني المذكورة [5] ، وعند مسلم من
(1) لسان العرب 14/ 258، والمفردات للراغب الأصبهاني ص315، وفتح الباري 11/ 94.
(2) الترمذي في الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة 3/ 42 (652) .
(3) البخاري في العلم، باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: وقل رب زدني علما 1/ 35 (63) .
(4) تفسير ابن كثير 2/ 541.
(5) تفسير القرطبي 17/ 166، وتفسير أبي السعود 8/ 180.