الآداب الشرعية والتوجيهات النبوية.
وإذا كان الدعاء بالأسماء الحسنى مطلوبا في كل زمان ومكان إلا أنه في بعض المواطن التي تضيق فيها الأسباب بالإنسان أقوى مسألة وأسرع استجابة، فالله عز وجل يحب العبد الملح في الدعاء، والإلحاح فيه يزداد مع الاضطرار وصدق الالتجاء، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62] ، فإذا ضاقت بالعبد السبل وانقطعت بالمكروب الحيل، فأول ما يفعله يستغيث بربه، ويلجأ إلى الله بما يناسب حاله من الأسماء، ويضرع إليه ويبتهل في الدعاء، قال تعالى: {هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس:22] .
وعند البخاري من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: (أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ وَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) [1] ، وروى أحمد وصححه الألباني من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِي حُكْمُكَ عَدْلٌ فِي قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا، قَالَ: فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: أَلاَ نَتَعَلمُهَا فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلمَهَا) [2] .
ومن آداب الدعاء ألا يدعو بقطيعة أرحام أو بمحرم أو إثم أو زور أو بهتان، أو ما شابه ذلك من أنواع العصيان، فعند مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1) البخاري في الجهاد، باب بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر 4/ 1846 (4596) .
(2) مسند أحمد 1/ 391 (3712) ، السلسلة الصحيحة (199) .