فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 673

الأوقات أولها، امتلأت قلوبهم من معرفة الله - عز وجل -، وغُمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب، قد أنساهم حبه ذكر غيره، فامتلئوا بحبه عن حب من سواه وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه، والرهبة منه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والسكون إليه، والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره، فإذا صارت للموحد أسماء ربه وصفاته مشهدًا لقلبه أنسته ذكر غيره وشغلته عن حب من سواه، فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها، فبه يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى، فيبقى قلب العبد نورا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه، وناهيك بقلب هذا شأْنه، فيا له من قلب موحد خالص تقي نقي، ما أَدناه من ربه وما أحظاه في قربه [1] .

وإذا كانت بصيرة العبد منفتحة في معرفة الأَسماءِ والصفات والأفعال فإن شهودها الخاص يطابق ما جاءَ به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يخالفه، إذ أن المنهج الرباني هو في حقيقته توجيه من الله للعبد فيما ابتلاه واسترعاه، والعبد مجرد أمين مخول مستخلف مبتلى ليس له في ملك سيده إلا الطاعة والخضوع التام، والانقياد لما شرعه سيده من الأحكام، فمن شأْن الموحدين أَن تنسلخ نفوسهم من التدبير والاختيار الذي يخالف تدبير ربهم واختياره، بل قد سلموا إليه سبحانه التدبير كله؛ فلا يزاحم تدبيرهم تدبيره ولا اختيارهم اختياره، لتيقنهم أَنه الملك القاهر القابض على نواصي الخلق المتولي لتدبير الملك، وتيقنهم مع ذلك أَنه الحكيم في أَفعاله الذي لا تخرج أَفعاله عن الحكمة والمصلحة والرحمة، فلم يدخلوا أَنفسهم معه في تدبيره لملكه وتصريفه أُمور عباده بلو كان كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولا بليت ولعل وعسى، بل ربهم - عز وجل - أَجل وأَعظم في قلوبهم من أَن يعترضوا عليه أَو يتسخطوا تدبيره أو يتمنوا سواه، وهم أَعلم بالله وأعرف بأسمائه وصفاته من أَن يتهموه في تدبيره أَو يظنوا به الإخلال بمقتضى حكمته وعدله، بل الموحد ناظر بعين قلبه إلى باري الأَشياء وفاطرها، ناظر إلى إتقان صنعته،

(1) طريق الهجرتين ص 320 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت