ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس) [1] ، وورد في رواية أحمد في مسند ابن مسعود - رضي الله عنه: (َقَال رَجُل: يَا رَسُول اللهِ، إِنِّي ليُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي غَسِيلًا وَرَأْسِي دَهِينًا وَشِرَاكُ نَعْلي جَدِيدًا، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ حَتَّى ذَكَرَ عِلاَقَةَ سَوْطِهِ أَفَمِنَ الكِبْرِ ذَاكَ يَا رَسُول اللهِ؟ قَال: لاَ، ذَاكَ الجَمَال، إِنَّ اللهَ جَمِيل يُحِبُّ الجَمَال وَلكِنَّ الكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ) [2] .
أما جمال الجوهر فله الأسبقية على المظهر وهو حسن الاعتقاد في الله، وأن الجمال الحقيقي أن يفهم العبد حقيقة الحياة، فيستعين بالله في كمال العبودية ويرضى بما قسمه في باب الربوبية، وأن الجلال المطلق إنما هو لله وحده في أسمائه وصفاته وأفعاله، وقد تقدم في الجزء الثالث أن الجلال يقوم على ركنين: الركن الأول الكمال، والركن الثاني الجمال؛ فالكمال هو بلوغ الوصف أعلاه والجمال بلوغ الحسن منتهاه، فإذا نظر العبد إلى حكمة الله وانفراده عمن سواه سيجد أن الله عز وجل إن أعطى أحدا من عباده كمالا ابتلاه في الجمال، وإن أعطاه جمالا ابتلاه في الكمال، وإن أعطاه كمالا وجمالا ابتلاه في دوام الحال، فربما يبلغ المرء كمالا في الغنى بحيث يفوق الآخرين فيه حتى يبلغ الوصف أعلاه، لكنه مبتلى في غناه فربما يكون جاهلا أو مريضا، أو قبيحا أو عقيما، أو مبتلى في ولده وزوجته، أو أهله وعشيرته أو غير ذلك من أنواع البلاء.
وكذلك ربما تجد امرأة بلغت كمالا في الخلق والنسب، ولها منزلة كبيرة في الشرفِ والحسب، وعلى قدر كبير من العلم والفهم، وهي أبعد ما تكون عن الخيانة، وموصوفة بالصدق والأمانة، غير أنها قبيحة سوداء، أو دميمة بكماء، لا تسر أحدا من الناظرين، أعطاها الله من جهة الكمال وابتلاها من جهة الجمال.
والله عز وجل لو أعطى أحدا من عباده كمالا وجمالا ابتلاه في دوام الحال؛ فما يلبث أن يموت الخليفة العادل أو يغتال، كما فعل مع سليمان - عليه السلام - أعطاه الله الملك والعزة، فكان قويا غنيا، وملكا نبيا، لديه الدنيا بأسرها وبهجةُ الحياة بأنواعها وسخرها لله بالطاعة والإيمان، فسليمان - عليه السلام - أعطاه الله كمالا وجمالا لكن سلبه دوام الحال، لأننا في دار ابتلاء والموت يجري على سائر الأحياء، ولن يبقى إلا الحي الذي لا يموت
(1) صحيح الجامع (1742) .
(2) أحمد في المسند 1/ 399 (3789) ، السلسلة الصحيحة (1626) .