لنفسه الوحدانية في استوائه على عرشه فقال - سبحانه وتعالى: {الرَّحْمَنُ على العَرْشِ اسْتَوَي} [طه:5] ، فاستواؤه له كيفية تليق به لا نعلمها ولا مثيل له فيها ولا شبيه، وأثبت الوحدانية في كلامه فقال - سبحانه وتعالى: {وَكَلمَ الله مُوسَي تَكْليمًا} [النساء:164] ، فكلامه بكيفية تليق به وليس كمثله شيء فيها ولا علم لنا بها، فمداركنا وإن استوعبت معنى كلامه، فإنها لا تستوعب كيفية أداء الكلام وهكذا في سائر أوصاف الكمال.
أما الممثل لأوصاف الله بأوصافه فهو ظالم لنفسه متقول على ربه، إذ قد تخيل في ذهنه أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة كصورة إنسان ثم عظمها له الشيطان فعبدها على أنها المقصود عند ذكر أوصاف الله وهو في الحقيقة إنما يعبد صنما.
أما المعطل الذي رد نصوص الصفات الثابتة في الكتاب والسنة ورفض محتواها بسره، فقد اعتقد أن إثبات الصفات التي وردت في هذه النصوص يلزم منه التمثيل والتشبيه، وحقيقة الأمر أنه جسد صورة لربه في ذهنه تشبه صورة الإنسان فوقع في التمثيل والتشبيه، ثم زعم أن ظاهر النصوص دل على ذلك، ثم أحس بالرفض التلقائي لهذه الصورة والرغبة في تنزيه الله عنها، وبدلا من أن يعيب فهمه السيئ وظنه الآثم في كلام الله وجه العيب إلي نصوص الكتاب والسنة، وبدأ في التحامل عليها بالباطل؛ فادعى أولا أن ظاهرها غير مراد في كلام الله - عز وجل -، ثم حاول محو ما دلت عليه بأي طريقة، وتعطيلها عن مدلولها الذي يطابق الحقيقة، فأراد أن يستر جريمة التعطيل حتى لا يقال في حقه إنه يكذب بالقرآن والسنة، فأخفى هذه الجريمة تحت شعار التأويل، وادعاء البلاغة في فهم النصوص بالمجاز، ودعا إلى استبدال المعنى المراد من النصوص بمعنى بديل لا يقصده المتكلم في خطابه، ولو قيل له: النص لا يحتمل التأويل، وتأويلك بلا دليل، لقال: وأنا أعظم الله وأنفي عنه التشبيه والتمثيل ويا عجبا لتعظيمه، فمن الذي أدخل في اعتقاده أصلا أن النصوص ظاهرها باطل محمل بالتشبيه والتمثيل؟ فهو إذا يحاول بكل سبيل أن يرد الصفة الحقيقية لله ويعطلها عن مدلولها حتى لا يكاد يثبت لله وصف حقيقيا، ويجعل دلالة النصوص دلالة عدمية محضة، فطريقة السلف هي التي تقتضي تعظيم الله حقا، إثبات بلا تعطيل وتنزيه بلا تمثيل، فالممثل يعبد صنما والمعطل يعبد عدما، والموحد انتهج طريقة وسطا، وهي طريقة محمد صلى الله عليه وسلم في تعظيم ربه