عليك أن تعمل لمولاك أم كان ذلك منك بهواك؟ فإن سلم من هذا الديوان بأن كان عليه أن يعمل كما أمر ربه، سأل نفسه عن الديوان الثاني: كيف فعلت هذا؟ وهو مكان المطالبة بالعلم والسنة، أبعلم فعلت أم بجهل؟ فإن الله تعالى لا يقبل عملا إلا خالصا لوجهه موافقا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن سلم من هذا نشر الديوان الثالث، لمن فعلت؟، وهذا طريق التعبد بالإخلاص لوجه الربوبية، وهو بغية الله - عز وجل - من خلقه الذين يمتنعوا عن إغواء الشيطان قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِين} [الحجر:39/ 40] [1] .
ويروى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: (حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا) [2] .
وعند مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِس فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) [3] ، ومن دعاء العبادة اعتقاد العبد أن الحكم الديان لا يسوي بين مختلفين، أو يفرق بين متماثلين، سبحانه تنزه عن الجور والظلم فحكمه وعدله يأبى ذلك لمقتضى هذه الأسماء، ومن هنا ميز بين أهل الجنة والنار، والمؤمنين والكفار، فقال رب العزة والجلال: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم:36] ، فأخبر أن هذا حكم باطل جائر، يستحيل نسبته إليه كما يستحيل نسبة الفقر والحاجة والظلم إليه [4] .
ومن دعاء العبادة أن الموحد يحاسب الناس على ما ظهر منهم ويكل بواطنهم للحسيب الديان، وأن ييسر في الديْن عن المعسرين ويتجاوز عن الفقراء والمساكين روى البخاري من حديث عمر - رضي الله عنه - قال: (إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْي في عَهْدِ رَسُولِ
(1) السابق بتصرف 1/ 80.
(2) الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع 4/ 638 (2459) .
(3) مسلم في البر والصلة، باب تحريم الظلم 4/ 997 (2581) .
(4) شفاء العليل ص 199 بتصرف.