من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: (جلسَ جِبْرِيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء، فإذا مَلَكُ ينزل فَقَالَ له جبريل: هذا الْمَلَكُ ما نزل منذ خلق قبل الساعة فلما نزل قال يا محمد: أرسلني إليك ربك أمَلِكًا أجعلك أم عبدا رسولا؟ قال له جِبْرِيلُ: تواضع لربك يا محمد فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا بل عَبْدًا رسولا) [1] .
وقد ذكره سبحانه بأتم العبودية في أشرف مقاماته وأفضل أحواله كمقام الدعوة والتحدي والإسراء وإنزال القرآن فقال: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ} [الجن:19] وقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] ، وقال سبحانه: {سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء:1] وقال تعالى: {تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1] ، فأثنى عليه ونوه الله لعبوديته التامة له، ولهذا يقول أهل الموقف حين يطلبون الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فلما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها إلى الله - عز وجل -، وكان لها لوازم وأسباب مشروطة لا يحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دار تجري عليهم فيها أحكام العبودية وأسبابها وشروطها وموجباتها، فإنه سبحانه يحب إجابة الدعوات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات ومغفرة الزلات وتكفير السيآت ودفع البليات، وإعزاز من يستحق العز وإذلال من يستحق الذل، ونصر المظلوم وجبر الكسير، ورفع بعض خلقه على بعض، وجعلهم درجات ليعرف قدر فضله وتخصيصه؛ فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم إلى دار يحصل فيها محبوباته سبحانه، وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها، فأبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليه أحكام أسمائه وصفاته فيظهر كماله المقدس في كل اسم ووصف، وإن كان لم يزل كاملا، فمن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره، وقضائه وقدره ووعده ووعيده، ومنعه وإعطائه وإكرامه وإهانته، وعدله وفضله، وعفوه وإنعامه، وسعة حلمه، وشدة بطشه، وقد اقتضى كماله المقدس سبحانه أنه كل يوم هو في شأن، وإدراك العبد لهذه الحكم البالغة وتعامله معها في دار الامتحان أعظم شرف يناله الإنسان [2] .
ومن دعاء العبادة أيضا أن يقف العبد مع نفسه على الدوام لمحاسبتها، فيميز
(1) مسند أبي يعلى 10/ 491، صحيح الترغيب والترهيب (3280) .
(2) مجموع الفتاوى 10/ 545، شفاء العليل ص 243.