فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 673

بعباده ورأفته بهم الداخلة في قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ً} [الأنبياء:107] ، فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه وإن كان لا يريد إلا الخير، إذ هو في ذلك جاهل أحمق كما يفعله بعض النساء والرجال الجهال بمرضاهم وبمن يربونه من أولادهم وغلمانهم وغيرهم في ترك تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير رأفة بهم، فيكون ذلك سبب فسادهم وعداوتهم وهلاكهم.

ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ذلك المرض، وذوقه ما ذاقوه من قوة الشهوة وبرودة القلب والدياثة، فيترك ما أمر الله به من العقوبة، كمن ينادي بتعطيل الحدود الشرعية من قطع يد السارق ورفع عقوبة الزنا، وإباحة الشذوذ والسحاق واللواط وغير ذلك من الأمور الانحلالية تحت دعوى الحرية، فهؤلاء من أظلم الناس وأديثهم في حق نفسه ونظرائه، وهو بمنزلة جماعة من المرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم فوجد كبيرهم مرارته، فترك شربه ونهى عن سقيه للباقين.

ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانين محبوبا له، إما أن يكون محبا لصورته وجماله بعشق أو غيره، أو لقرابة بينهما، أو لمودة أو لإحسانه إليه، أو لما يرجو منه من الدنيا أو غير ذلك، أو لما في العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب، ويتأول بعض النصوص في غير موضعها كقولهم: إنما يرحم الله من عباده الرحماء، ويحتج بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وغير ذلك، وليس كما قال، بل ذلك وضع الشيء في غير موضعه، بل قد ورد عند البيهقي وصححه الألباني من حديث عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا، الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر قالوا: يا رسول الله، أما مدمن الخمر فقد عرفناه فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله، قلنا: فما الرجلة من النساء؟ قال: التي تشبه بالرجال) [1] .

فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها ولأهلها، ولا يغضب عند رؤيتها وسماعها لم يكن مريدا للعقوبة عليها، فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه، قال تعالى: وَلا

(1) شعب الإيمان 7/ 412 (10800) ، صحيح الترغيب والترهيب (2071) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت