الثاني: يراد به المكان الغيبي الذي يخرج عن مداركنا ولا نعلم خصائصه لصعوبة ذلك علينا، والمكان بهذا الاعتبار حق موجود ولا يخضع بحال من الأحوال لمقاييس المكان في حسابات المخلوقين، فلا يمكن للمتكلمين أن يطبقوا هذه المقاييس على ملك الموت عندما يأتي لقبض الأرواح مع أنه مخلوق له ذات وكينونة منفصلة، وهو مع ذلك لا يحجبه باب ولا جدار، ولا يمنعه جب أو قرار كما قال رب العزة والجلال: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78] ، فملك الموت مخلوق ولا يخضع في مكانه وزمانه لمقاييسنا التي يريدون بها الحكم على استواء الله على عرشه، ومن ثم لا يصلح أن نمنع دلالة الآيات والأحاديث ونحول معنى اسم الله العلي من علو الفوقية إلى علو الرتبة والمنزلة بحجة أننا لو أثبتناها لكان الله في مكان فعلو الشأن ثابت بدلالة اسمه الأعلى وعلو القهر ثابت بدلالة اسمه المتعال.
والرسول صلى الله عليه وسلم لما قال للجارية: أين الله؟ علم صلى الله عليه وسلم أن أين للمكان ويعلم لوازم قوله ولو كان في ذلك خطأ وتشبيه وتجسيم كما يدعي البعض ما سأل الجارية بلفظ يحتمل معناه الخلاف ودواعي الاختلاف، والجارية لما قالت: الله في السماء تعني العلو وشهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان، فلا إشكال عند الموحدين العقلاء في فهم حديث الجارية وقولها إن الله في السماء، والأمر واضح جلي ظاهر، فأي اعتراض على ذلك إنما هو اعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلو الفوقية أو علو الذات الذي دل عليه اسمه العلي ثابت على الحقيقة بالكتاب والسنة وإجماع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، فهو سبحانه وتعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، لا شيء من ذاته في خلقه، ولا خلقه في شيء من ذاته، وهو من فوق عرشه يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم لا تخفى منهم خافية، والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى وأجل من أن تستقصى، والفطرة السليمة والنفوس المستقيمة مجبولة على الإقرار بذلك، وسيأتي بإذن الله تعالى المزيد عند الحديث عن دلالة الأسماء على الصفات، لكن جل الأدلة بقرائنها تجعل المعنى الذي دل عليه اسم الله العلي هو علو الذات والفوقية، قال ابن خزيمة: (والله قد وصف نفسه في غير موضع من تنزيله ووحيه، وأعلمنا أنه العلي العظيم، أفليس العلي يا ذوي الحجا ما يكون عليا لا كما تزعم المعطلة الجهمية أنه أعلى وأسفل ووسط ومع كل شيء وفي كل موضع من أرض وسماء، وفي أجواف جميع الحيوان، ولو تدبروا آية من كتاب الله ووفقهم الله لفهمها؛ لعقلوا أنهم جهال لا يفهمون ما يقولون، وبان لهم جهل أنفسهم وخطأ مقالتهم) [1]
(1) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل، ص 257.