معلوم بدليل التمانع [1] ، أو لو أنه اتخذهم آلهة واصطفاهم لطلبوا قربه والعلو عنده لعلمهم أنه العلي على خلقه [2] .
فهذه الآيات واضحة في إثبات علو الذات والفوقية وغيرها كثير، لكن كثيرا من المفسرين لاسم الله العلي جعلوه دالا على معنيين فقط من معاني العلو، وهما علو الشأن وعلو القهر، واستبعدوا المعنى الثالث وهو علو الذات والفوقية.
والثابت الصحيح أن معاني العلو عند السلف الصالح ثلاثة معان دلت عليها أسماء الله المشتقة من صفة العلو، فاسم الله العلي دل على علو الذات، واسمه الأعلى دل على علو الشأن، واسمه المتعال دل على علو القهر؛ والمتكلمون أصحاب الطريقة العقلية والأقيسة المنطقية في وصف الذات الإلهية ينفون عن الله علو الذات والفوقية لأنه عندهم يدل على إثبات المكان لله، وما كان في مكان فهو محصور فيه ولذلك لا يجوز عندهم بحال من الأحوال أن يسأل عن الله بأين؟ وهذا مخالف لصريح السنة فقد ثبت في حديث الجارية الذي رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (أَيْنَ الله؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاء، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) [3] ، وهذا الحديث مع وضوحه كالشمس في أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل عن الله بأين سؤالا لا لبس فيه ولا غموض إلا أن الكثيرين من المتكلمين تأبى أنفسهم إثباته، لأن أين هنا يتصورون منها المكان الذي في عالم الشهادة، والذي يخضع للأقيسة التمثيلية والشمولية، أما المكان ذو الكيفية الغيبية الذي لا يعلم خصائصه إلا الله فهذا لا اعتبار له عندهم، ولذلك فإن عقيدة السلف تفرق بين نوعين من المكان:
الأول: ما كان محصورا بالمحاور الفراغية المعروفة في محيط المخلوقات المشهودة والذي يخضع لأحكامنا العقلية ولأقيستنا المنطقية، فمكان الشيء يحدد في المقاييس الحديثة باعتبار ثلاثة محاور رئيسية متعامدة، اثنان يمثلان المستوى الأفقي الموازي لسطح الأرض والثالث يمثل الارتفاع عن ذلك المستوى، وأجسام الدنيا يحدد مكانها بمدى الارتفاع في المحور الرأسي عن مستوى المحورين الأفقيين، ولاشك أن هذه المقاييس المكانية لا تصلح بحال ما في قياس ما هو خارج عن محيط العالم، فضلا عن قياس الأشياء الدقيقة كالإلكترون في دورانه حول نواة الذرة فقد ثبت أن محاوره أكثر من ثلاثة بكثير.
(1) دليل التمانع دليل مشهور بين المتكلمين وهو حق في إثبات توحيد الربوبية، انظر لمع الأدلة في قواعد أهل السنة ص 99، والغنية في أصول الدين ص 67، وشرح العقيدة الطحاوية ص 87.
(2) انظر: تفسير ابن جرير 15/ 91، والدر المنثور 5/ 288، وتفسير الواحدي 2/ 635.
(3) مسلم في كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/ 381 (537) .