فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 673

لأن كل اسم كما سبق دل على معنى من معاني العلو، فاسم الله العلى دل على علو الفوقية وأن الله عال عرشه وهو أعلم بالكيفية، واسمه المتعالي دل على علو القهر والغلبة، واسمه الأعلى دل على علو الشأن والعظمة، تنسجم في ذلك الأدلة اللغوية مع الأصول القرآنية والنبوية.

لكن نظرة المفسرين المتأثرين بمذهب المتكلمين تختلف عن ذلك، ولا تعطي هذا الأسماء إلا معنى واحدا موجها بخلفية عقلية ومتأثرا بنزعة تأويلية تعطيلية، فبعضهم يجعل اسم الله العلى دالا فقط على علو الرتبة والمنزلة، ويؤكد أن هذا فهم الخواص بل يجعل من أثبت دلالة الاسم على علو الفوقية والاستواء - وهم السلف الصالح - يجعلهم حشوية بل من العوام الذين لم يجاوز إدراكهم عن الحواس التي هي رتبة البهائم، وأنهم لم يفهموا عظمة إلا بالمساحة، ولا علوا إلا بالمكان، ولا فوقية إلا به، ولما جاء إلى اقتران اسم الله العلي بالاستواء، وتخصيص العرش بالإضافة إليه سلك فيه تأويلا باطلا وزعم أن العلو عليه هو علو الرتبة والمكانة، كقول القائل الخليفة فوق السلطان تنبيها به على أنه فوق جميع الناس الذين هم دون السلطان [1] ، وقال آخر: (العلي هو فعيل في معنى فاعل، فالله تعالى عال على خلقه، وهو علي عليهم بقدرته، ولا يجب أن يذهب بالعلو ارتفاع مكان، إذ قد بينا أن ذلك لا يجوز في صفاته) [2] .

وعلو الرتبة الذي ذكروه هو عند السلف المعنى الذي دل عليه اسمه الأعلى وهو علو الشأن والمكانة، بخلاف العلي والمتعالي أو علو الفوقية وعلو القهر، فهما معنيان مستقلان، ولذلك ماذا صنعوا في هذين الاسمين؟ - الأعلى والمتعال - أغمضوا أعينهم وكأنه غير مذكور، فصاحب المقصد الأسنى أسقطه ولم يلتفت إليه، والمتعالي قال عنه: (المتعالي بمعنى العلي مع نوع من المبالغة وقد سبق معناه) [3] .

والقصد أن مذهب السلف بنقائه الفطري وإيمانه النقي الذي يتوافق فيه العقل الصريح مع النقل الصحيح أظهر كل اسم بمعناه الموضوع له بدقة، انطلاقا من تصديق الخبر وتنفيذ الأمر، ففرق بين القادر والقدير والمقتدر، والمالك والملك

(1) المقصد الأسنى للغزالي ص 108.

(2) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص 48.

(3) المقصد الأسنى ص 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت