الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - بِامْرَأَةٍ مَجْذُومَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ لَهَا: يَا أَمَةَ الله لا تُؤْذِي النَّاسَ لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِكِ؛ فَجَلَسَتْ؟ فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ الَّذِي كَانَ قَدْ نَهَاكِ قَدْ مَاتَ؛ فَاخْرُجِي، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُطِيعَهُ حَيًّا وَأَعْصِيَهُ مَيِّتًا) [1] .
إذا علمنا ذلك فإن اعتقاد السلف في توحيد الأسماء والصفات هو تصديق الله في خبره، وإثبات ما أثبته لنفسه، وما أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم من غير أن يقحموا عقولهم في مهالك التمثيل والتكييف، أو يكلفوا أنفسهم تأويلا يؤدي إلى التعطيل والتحريف فهم آمنوا بأسماء الله على الحقيقة، وأنها أعلام تدل على ذاته، وأوصاف تدل على جلاله وكماله، وأنها توقيفية على ما وردت به النصوص الصحيحة، وأن الله منفرد بأسمائه وما دلت عليه من أوصافه وأفعاله، فهو سبحانه ليس كمثله شيء في كل ما أثبته لنفسه، هذا شأن اعتقادهم ومنهجهم في هذا الباب [2] .
ولما ظهرت المعتزلة وهيمنت على الخلافة الإسلامية في الربع الأول من القرن الثالث الهجري ابتدعوا منهجا جديدا في التوحيد غير ما عرف بين الصحابة والتابعين وعلماء السلف الصالح، فزعموا أن التوحيد هو إثبات الأسماء ونفي الصفات، وأن إثبات الصفات تشبيه وتجسيم يؤدي إلى تعدد الآلهة، أو كما زعموا يؤدي إلى تعدد القدماء، وأن الله تعالى لم يكن له في الأزل اسم ولا وصف ثم اكتسب الأسماء والأوصاف بعد أن لم تكن؛ فهذه الأسماء والأوصاف من أقوال المسميين الواصفين المحدثين، وقد ظهرت على إثر هذه الآراء مسألة غريبة حول الأسماء الحسنى ودلالتها على ذات الله، هذه المسألة هي المعروفة بمسألة الاسم والمسمى، هل الاسم هو عين المسمى أو هو غيره؟
والسابقون من السلف كما تقدم لم يتكلموا فيها، لكن اضطروا بعد ذلك إلى الحديث عنها لبيان الحق ودحض الشبهة، قال أبو القاسم اللالكائي: (وأما القول في الاسم أهو المسمى أو غير المسمى؟ فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع ولا قول من إمام فيستمع، والخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امريء من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الصادق عز وجل، وهو قوله: {قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] ، وقوله: وَللهِ الأَسْمَاءُ
(1) مالك في الموطأ حديث رقم 1/ 424 (950) .
(2) انظر تفصيل المسألة في مجموع الفتاوى لابن تيمية 20/ 401، وله أيضا الرسالة التدمرية ص39، ومختصر الصواعق المرسلة 2/ 242 وما بعدها، والتوحيد لابن خزيمة ص15.