فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 673

عند الإضافة والتخصيص) [1] ، فالأسماء من جهة اللغة عامة مشتركة تتخصص دلالتها عند العقلاء بالإضافة والتقييد، فلو قال قائل: هذا فيل كبير، وقال آخر: هذا طائر كبير، فالمشترك بين القولين بعد اسم الإشارة لفظ (كبير) ، وهو عند سائر العقلاء من حيث الدلاله له ثلاثة معان ظاهرة، عند إضافته إلى الفيل، فأي عاقل يتصور من دلالته معنى معينا يستوعبه الذهن؛ حيث يتصور فيلا كبيرا بين بني جنسه من الفيلة، وعند إضافته إلى الطائر فإن العاقل يتصور من دلالته معنى آخر غير المعنى السابق فهو طائر كبير بين الطيور، ولا يزعم عاقل أنه عندما يسمع قول القائل طائر كبير فإنه يتصور جبلا أو جملا أو فيلا أو بغلا أو غير ذلك، والثالث إذا قطع لفظ (كبير) عن الإضافة وكان مجردا وحده، فإن له معنى آخر يتصور الذهن فيه شيئا عاما يمكن اشتراك الكل فيه، وإن كانت الألفاظ لا تطلق مجردة بين العقلاء؛ فالله عز وجل وله المثل الأعلى إذا قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان:2] ، وقال عن نفسه: {إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:58] ، فإن السميع والبصير كاسمين أو لفظين من مفردات اللغة لهما من حيث الدلالة ثلاثة أنواع يستوعبها العقلاء:

الأول: إذا أضيفا إلى الإنسان؛ فإن العاقل يعلم معنى كونه سميعا بصيرا، ويعلم الكيفية الحقيقية التي دل عليها هذان الاسمان في حق المخلوق، فالإنسان يسمع بأذن ويبصر بحدقة، وهذا ظاهر اللفظ عند تخصيصه وتقييده بالإنسان.

الثاني: إذا أضيفا إلى الله عز وجل فإن العاقل يعلم معنى كونه سبحانه سميعا بصيرا فالله يسمع ويرى على الحقيقة، لكن العاقل لا يعلم الكيفية الحقيقية للوصفين الذين دل عليهما هذان الاسمان في حق الله؛ فالكيف مجهول لنا؛ لأننا ما رأينا الله، وما رأينا له نظيرا، وهو سبحانه وحده الذي يعلم كيف هو؟ وقد أمرنا أن نؤمن بما أخبرنا به عن نفسه ونصدقه تصديقا جازما، وهذا مراد السلف بأن نصوص الصفات على ظاهرها في حق الله.

الثالث: إذا قطعا عن الإضافة وانفصلا عن التقييد وكانا مجردين؛ فإن لهما معنى ثالثا عاما ومشتركا غير المعنى الأول والثاني، وهذا لا يكون في الواقع، بل يتصوره الذهن فقط، ولا يلزم أبدا من استعمال الأسماء المجردة في حق الخالق أو المخلوق وجود التطابق

(1) مجموع الفتاوى 3/ 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت