بين سمع هذا وذاك، أو وجود المماثلة والمشابهة بينهما، ومن هنا ظهر الخطأ الذي وقع فيه المعطل والممثل، لأن المعطل لما شبه الله بخلقه لم يجد الصورة التي كونها في ذهنه مستساغة أو مقبولة؛ فأراد أن ينفيها بمثل ما ذكره المتكلمون من أنواع التأويل وسحب النصوص عن دلالاتها، فالنصوص المكونة من حروف وكلمات وهي بدورها تشتمل على الأسماء والصفات، وهذه الألفاظ كمفردات لغوية يستخدمها المتكلم في التعبير عن مراده عند تجردها وذكر مفرداتها منقطعة عن الإضافة تكون عامة مشتركة بحيث يمكن استخدامها في حق الخالق والمخلوق معا، أما إذا أضيفت إلى الخالق سبحانه وقيدت ألفاظها بالدلالة عليه؛ فإنها تدل على معنى يخص الخالق دون غيره، وكذلك إذا أضيفت إلى المخلوق وقيدت ألفاظها بالدلالة عليه؛ فإنها تدل على معنى آخر يخص المخلوق دون غيره، فهناك قدر مشترك عند التجرد، وقدر فارق عند التخصيص والتقيد، ولا يمكن إهمال القدر الفارق لأن ذلك تمثيل للمخلوق بالخالق، ولا يمكن نفي القدر العام المشترك بين الجميع لأنه تعطيل للألفاظ اللغوية وإبطال للتفاهم في لغات التخاطب بين الإنسانية [1] .
والقرآن الكريم تضمن نصوصا كثيرة تدل على أن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بأسماء هي في حقهم نظير تلك الأسماء في حقه سبحانه عند التجرد وعموم اللفظ، فسمى نفسه حيا كما في قوله عز وجل: {اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة:255] ، وسمى بعض عباده حيا كما في قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [الأنعام:95] ، مع العلم أنه ليس الحي كالحي، وسمى نفسه عليما كما في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:83] ، وسمى بعض عباده عليما كما في قوله: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] وليس العليم كالعليم، وسمى نفسه حليما كما في قوله: {وَالله غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: 263] ، وسمى بعض عباده حليما في قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} [الصافات:101] ، وكذلك سمى نفسه رءوفا رحيما، وسمى بعض عباده رءوفا رحيما، وليس الرءوف كالرءوف ولا الرحيم كالرحيم، وكذلك سمى نفسه ملكا عزيزا جبارا متكبرا، وسمى بعض عباده ملكا وبعضهم عزيزا وبعضهم جبارا متكبرا، وليس هو في ذلك
(1) انظر في هذا المعنى بيان تلبيس الجهمية 1/ 391.