مماثلا لخلقه [1] .
قال أبو عمر الطلمنكي: (وقال قوم من المعتزلة والجمهية لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بالأسماء على الحقيقة ويسمى بها المخلوق، فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه، فإذا سئلوا ما حملهم على هذا الزيغ، قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه، قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها، لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه لا يحصل بالتسمية، وإنما بتشبيه الأشياء بأنفاسها وذواتها، أو بأوصاف وهيئات فيها، كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهًا وتماثلًا لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء بها) [2] .
وقد أخبر الله عما في الجنة من أنواع النعيم التي أعدها لأهلها من المطاعم والملابس والمناكح والمساكن، فأخبر أن فيها لبنا وعسلا وخمرا ولحما وماء وحريرا وذهبا وفضة وفاكهة وحورا وقصورا، قال ابن عباس - رضي الله عنه: (ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء) [3] ، وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء التي في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينها من التباين مما لا يعلمه إلا الله، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوق من مباينة مخلوق الآخرة لمخلوق الدنيا [4] ؛ فأساس ضلال المخالفين قياسهم الخالق على المخلوق أولا، ثم نفى أوصاف الخالق فرارا مما اعتقدوه، فقول المعتزلة سميع بسمع هو ذاته أو سميع بلا سمع خشية إثبات الصفات هو في الحقيقة ذم لله وليس مدحا، فمن المعلوم أن الاسم في حقنا قد يكون على مسمى وقد لا يكون، فلو قيل: فلان اسمه سعيد، فربما تجد فيه وصف السعادة وربما يكون بائسا حزينا، فهو في الحالة الأولى اسم على مسمى، وفي الثانية اسم بلا معنى أو اسم على غير مسمى أو اسم فارغ من الوصف.
أما أسماء الله عند السلف فهي أسماء على مسمى؛ فالله عز وجل هو الغني الذي
(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4/ 425.
(2) مختصر العلو للعلي الغفار للحافظ الذهبي ص 264.
(3) الترغيب والترهيب 4/ 316، وهو صحيح موقوف كما ذكر الشيخ الألباني، انظر صحيح الترغيب والترهيب (3769) ، وصحيح الجامع حديث (5410) ، والسلسلة الصحيحة 5/ 219 (2188) .
(4) مجموع الفتاوى 3/ 28.