هؤلاء أن العامة قد يدعون به دعوة باطلة فيستجاب لهم، أما العارفون فهم أمناء الله على سره وخلقه، ويستدلون بحديث ضعيف أو شبه موضوع يروى عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمها الاسم الأعظم؟ فقال لها: (يا عائشة، نهينا عن تعليمه النساء والصبيان والسفهاء) [1] .
ومما روى من هذه المبالغات أن إبراهيم بن أدهم كان من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم والمراكب، فبينما إبراهيم في الصيد على فرسه يركض، إذا هو بصوت من فوقه يناديه: يا إبراهيم، ما هذا العبث؟ ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ ثم قرأ قوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115] ، وقال له: اتق الله، عليك بالزاد ليوم الفاقة، فنزل عن دابته ورفض الدنيا، وصادف راعيا لأبيه فأخذ عباءته، وأعطاه فرسه وما معه ودخل البادية، فرأى فيها رجلا علمه الاسم الأعظم، فدعا به، فرأى الخضر وقال له: إنما علمك أخي داود [2] .
فهذه الرواية توحي بأن داود - عليه السلام - ما زال حيا، وأنه يعلم الناس الاسم الأعظم وأن من يدعو به يأتيه الخضر الذي علم موسى - عليه السلام -، ولك أن تتصور بعد ذلك توالى الكرامات، وتأثير الاسم الأعظم في ظهور خوارق العادات وغير ذلك من الحكايات والمبالغات الواهية، لكن اسم الله الأعظم ليس كما يصوره هؤلاء أنه شيء مخفي غيبي هم فقط الذين يعلمون كيفية الوصول إليه، فأسماء الله كلها حسنى وكلها عظمى وقد وصف الله أسماءه بالحسنى في أربعة مواضع من القرآن، كما في قوله: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180] .
ووجه الحسن في أسماء الله أنها دالة على أحسن وأعظم وأقدس مسمى وهو الله عز وجل، فذاته في حسنها وجلالها ليس كمثلها شيء، وأسماؤه في كمالها وجمالها تنزهت عن كل نقص وعيب، وقد قال الله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام} [الرحمن:78] ، وهذا يسري على كل اسم تسمى به الله، سواء غاب عنا معرفته أو علمناه، فاسم الله الحي متضمن لكمال الحياة، وهي صفة أزلية أبدية، لم تسبق بعدم ولا
(1) انظر ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي 2/ 124، ولسان الميزان لابن حجر 2/ 104، والكامل في ضعفاء الرجال لأبي أحمد الجرجاني 2/ 169.
(2) انظر حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني 7/ 369، وسير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي 7/ 388، وصفوة الصفوة لابن الجوزي 4/ 153.