باسمه اللطيف التواب الغفور الغفار الحيي الستير، وفي حال السعي والكسب يدعون الرازق الرزاق المنان السميع البصير، وفي حال الجهل والبحث عن أسباب العلم والفهم يناسبهم الدعاء باسمه الحسيب الرقيب العليم الحكيم الخبير، وفي حال الحرب وقتال العدو فنعم المولى ونعم النصير، وهكذا كل اسم من الأسماء الحسنى هو الأعظم في موضعه، وعلى حسب حال العبد وما ينفعه.
والله عز وجل أسماؤه لا تحصى ولا تعد، وهو وحده الذي يعلم عددها، فعند أحمد من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء الكرب: (أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ) [1] ، لكن الله عز وجل من حكمته أنه يعطي كل مرحلة من مراحل خلقه معرفة ما يناسبها من أسمائه وصفاته؛ بحيث تظهر فيها دلائل جلاله وكماله، ففي مرحلة الابتلاء وما في الدنيا من شهوات وأهواء، وحكمة الله في تكليفنا بالشرائع والأحكام، وتمييز الحلال من والحرام، في هذه المرحلة عرفنا الله بجملة من أسمائه تتناسب مع احتياجاتنا وتوحيدنا له، فقال صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ لِلّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) [2] .
ومن ثم فإن المذنب إن أراد التوبة سيجد الله توابا رحيما عفوا غفورا، والمظلوم سيجد الله حقا مبينا حكما وليا نصيرا، والضعيف المقهور سيجد الله قويا قديرا عزيزا جبارا، والفقير سيجد الله رازقا رزاقا غنيا وكيلا، وهكذا سيجد العباد من الأسماء والصفات ما ينسب حاجتهم ومطلبهم، فالفطرة اقتضت أن تلجأ النفوس إلى قوة عليا عند ضعفها، وتطلب غينا أعلى عند فقرها، وتوابا رحيما عند ذنبها، وسميعا بصيرا قريبا مجيبا عند سؤالها، ومن هنا كانت لكل مرحلة من مراحل الخلق ما يناسبها من أسماء الله وصفاته، وقد تحدثنا عن ذلك في الجزء الأول [3] ، فطالما أن الدنيا جعلت للابتلاء، فإن الله قد عرفنا بما يناسبهما ويناسبنا من الأسماء، ومن ثم فإن أسماء الله كلها حسنى وكلها عظمى على اعتبار ما يناسبها من أحوال العباد، وذلك لابتلائهم في الاستعانة بالله، والصدق
(1) صحيح، رواه أحمد في المسند 1/ 391 (3712) ، وانظر السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني 1/ 383.
(2) البخاري في الشروط، باب إن لله مائة اسم إلا واحدا 6/ 2691 (6957) .
(3) أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة الجزء الأول الإحصاء د/ محمود عبد الرازق الرضواني ص15.