3 -الاسم الأعظم هو الحي القيوم: وهو صحيح باعتبار عدة أوجه دلت على كمال مخصوص فوق جميع الأسماء، فهذان الاسمان عند اجتماعهما يختصان عن باقي الأسماء الحسنى بما فيهما من أبعاد اعتقاديه ويعطيان من معاني الكمال ما ليس لغيرهما؛ فجميع الأسماء الحسنى والصفات العليا تدل باللزوم على أن الله حي قيوم، فالحياة وصف ذاته ومن أجلها كملت جميع أسمائه وصفاته، فلا يمكن أن يكون سميعا بصيرا عليما قديرا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون ملكا عزيزا قويا غنيا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون رحيما رءوفا مهيمنا عظيما إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون جبارا متكبرا خالقا بارئا مصورا إلا إذا كان حيا، فجميع أسماء الله تدل على صفة الحياة التي تضمنها اسمه الحي، وهذه قضية عقلية نقلية بينها الله في القرآن بأفضل بيان وأجمل برهان، قال تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14] ، فمعبوداتهم لا تستجيب لكونها موتى، والميت تزول صفاته بزوال ذاته؛ فلا يقال عالم وهو ميت، بل يقال كان عالما، ولا يقال غني قوي وهو ميت، بل يقال كان غنيا قويا، ولا يقال ملك وهو ميت بل يقال كان ملكا عادلا أو ظالما.
كما أن ملكية الشيء أو حق التملك، إما أن يكون سببه اختراع الأشياء وإيجادها، أو دوام الحياة وكمالها؛ فالمخترع له براءة الاختراع، والمؤلف له حق الطبع والنشر، وعند البخاري قَال عمر - رضي الله عنه: (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لهُ) [1] ، ومن المعلوم أن أي ملك في الدنيا لا يمكن أن يؤسس ملكه بمفرده بل يساعده خاصته وقرابته، ويسانده حزبه وجماعته، أما رب العزة فهو الحي قبل وجود الأحياء، وهو الإله الحق الذي انفرد بإنشاء الخلق وإقامة الملك، قال تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلينَ عَضُدًا} [الكهف:51] .
ولما كان دوام الحياة وكمالها يؤدي إلى انتقال الملكية وثبوتها؛ فإن الحياة والقيومية أساس الربوبية وكمال العظمة والملكية، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال والإكرام} [الرحمن:27] ، وقال: {وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران:180] ، والله عز وجل لما ذكر هذا الاسم الأعظم في أعظم آية قرآنية فقال: {اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} ، قال بعدها مبينا
(1) البخاري في المزارعة، باب من أحيا أرضا مواتا 2/ 283 (2210) .