فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 673

فالصمد هو السيد الذي له الكمال المطلق في كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء، وكل من سواه مفتقر إليه، يصمد إليه ويعتمد عليه، وهو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وليس فوقه أحد في كماله، وهو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وسائر أمورهم، فالأمور أصمدت إليه، وقيامها وبقاؤها عليه، لا يقضي فيها غيره، وهو المقصود إليه في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، الذي يطعم ولا يَطعَم ولم يلد ولم يولد [1] .

أما كمال الوصف المخصوص عند اجتماع الأحدية والصمدية، فيمكن القول إن الله عز وجل لما فطر النفوس على أن تلجأ إلى قوة عليا عند ضعفها، وتطلب غينا أعلى عند فقرها، وعالما خبيرا عند جهلها، ورءوفا شافيا عند مرضها، ومن كملت أوصافه عند اضطرارها، فإن الله هو المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه، والمخلوق وإن كان صمدا من بعض الوجوه؛ فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه لأنه يقبل التفرق والزوال والتجزئة والانحلال، ويتقسم ويتبعض فينفصل بعضه من بعض، وهو أيضا مفتقر إلى ما سواه، وكل ما سوى الله مفتقر إليه من كل وجه فليس أحد يصمد إليه كل شيء ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله تبارك وتعالى؛ لأنه لا يجري عليه شيء من ذلك، بل حقيقة الصمدية وكمالها له وحده، ولا يمكن انعدامها بوجه من الوجوه، كما لا يمكن تثنية أحديته أيضا بوجه من الوجوه، فهو أحد لا يماثله شيء من الأشياء كما قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] ، وقد استعملت الأحدية هنا في النفي، أي ليس شيء من الأشياء كفوا له في شيء من الأشياء لأنه أحد، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث عبد الله بن الشخير - رضي الله عنه - لما قال وفد بني عامر للرسول صلى الله عليه وسلم: ( أَنْتَ سَيِّدُنا فقَالَ: السَّيِّدُ الله) [2] .

كما أن هذا الاسم الأعظم أو الأحد الصمد دل على أن الله لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء، فلا يدخل فيه شيء، ولا يأكل ولا يشرب، سبحانه وتعالى كما قال: {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ} [الأنعام:14] ، وفي قراءة الأعمش وغيره ولا يطعم بالفتح [3] ، وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا

(1) السابق ص67.

(2) صحيح أبي داود 3/ 912 (4021) ، وانظر مجموع الفتاوى 17/ 239 بتصرف.

(3) انظر البرهان في علوم القرآن 1/ 341، والتبيان في إعراب القرآن 1/ 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت