فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 673

أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذريات:56/ 57] ، ومن مخلوقاته الملائكة وهم صمد لا يأكلون ولا يشربون؛ فالخالق لهم جل جلاله أحق بكل غنى وكمال جعله لبعض مخلوقاته [1] .

وقد فسر بعض السلف الصمد بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب وأن الصمد هو المصمد الذي لا جوف له؛ فلا يخرج منه عين من الأعيان ولا يلد، وهو كلام صحيح على معنى أنه لا يفارقه شيء منه، ولهذا امتنع عليه أن يلد وأن يولد، وذلك أن الولادة والتولد، وكل ما يكون من هذه الألفاظ لا يكون إلا من أصلين، وما كان من المتولد عينا قائمة بنفسها فلابد لها من مادة تخرج منها، وقد نفى الله ذلك بقوله: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] ، فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير فيمتنع أن تكون له صاحبة، والتولد إنما يكون بين شيئين، قال تعالى: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام:101] ، فنفى سبحانه الولد بامتناع لازمه عليه؛ فإن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، وبأنه خالق كل شيء وكل ما سواه مخلوق له، ليس فيه شيء مولود له، فهو سبحانه غني بذاته، يمتنع في حقه أن يكون والدا وأن يكون مولودا [2] .

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن سورة الإخلاص فيها كمال التوحيد العلمي الاعتقادي وإثبات الأحدية لله المستلزمة نفي كل شركة عنه، وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات كل كمال له، هذا مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها وتقصده الخليقة وتتوجه إليه، وفيها أيضا نفي الوالد والولد والكف عن طلبه، وهذا متضمن لنفي الأصل والفرع والنظير والمماثل، ولذلك صارت هذه السورة تعدل ثلث القرآن ففي اسمه الصمد إثبات كل الكمال، وفي نفي الكفء التنزيه عن الشبيه والمثال، وفي الأحد نفى كل شريك لرب العزة والجلال، وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد [3] .

قال ابن تيمية: (كذلك فإن هذين الاسمين يستلزمان سائر أسماء الله الحسنى وما فيها من التوحيد كله قولا وعملا، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذين الاسمين فقال:(الله الواحد الصمد تعدل ثلث القرآن) [4] ، وذلك أن كونه أحدا وكونه الصمد يتضمن أنه الذي

(1) مجموع الفتاوى 17/ 239 بتصرف.

(2) السابق 17/ 220 بتصرف.

(3) الطب النبوي ص141بتصرف.

(4) رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ولفظه: (قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ في لَيْلَةٍ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) انظر كتاب فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد 4/ 1916 (4727) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت