لكمال عزته وحكمته [1] .
2 -اقتران العزيز بالعليم: ذكر الله هذين الاسمين مقترنين بعد بيان قدرته في تسيير الأجرام الفضائية والكواكب الدرية وترتيب مواقيتها الزمنية كما ورد في قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ} [يّس:38] ، وذلك ليعلم الجميع أن كل شيء موجود إنما هو بعلم ومشيئة وليس أمرا تلقائيا عفويا دون عزة وحكمة، فهذا التقدير لمسير الشمس والقمر والليل والنهار وحركات النجوم في مطالعها ومغاربها تقدير ناشئ عن عزته وعلمه، وذلك متضمن وقوعه على وجه حكمته وأمره، والغاية التي وجدت من أجلها، وأنها مهما عظمت أجرامها واتسعت أرجاؤها فلا يعز إيجادها وتدبير أمورها على العزيز العليم فقال جل شأنه: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ} [فصلت:12] [2] ، وقال تعالى في سورة الدخان: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الدخان:38] ، وقال في سورة الرحمن: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ} [الرحمن:7] ، وكل ذلك لتظهر أسماؤه وأحكامه وإنعامه وإكرامه حتى يلتزم العباد بتكليف الله لهم، ويوحدوا الله كما أمرهم، قال تعالى: {أَلا تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ} [الرحمن:9] .
3 -اقتران العزيز بالرحيم: ومن هذا أيضا ما ختم به سبحانه قصص الأنبياء في كثير من آيات القرآن، ففي سورة الشعراء يذكر في أعقاب كل قصة: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:9] ، وقد كررت ثماني مرات، كل مرة عقب كل قصة فالإشارة في كل واحدة بذلك إلى قصة النبي المذكور قبلها، وما اشتملت عليه من الآيات والعبر [3] ، وقد ختمها باسمين مقترنين ليبين أن ما حكم به بين الرسل وأتباعهم وأهل الحق وأعدائهم صادر عن عزة ورحمة، فوضع العزة فيما يقابل النقمة من أعدائه ووضع الرحمة فيما يقابل النصرة لأوليائه، قال الزركشي: (وأما مناسبة قوله العزيز الرحيم فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر فدل بالمفهوم على إيمان الأقل؛ فكانت العزة على من لم يؤمن والرحمة لمن آمن، وهما مرتبتان كترتيب الفريقين) [4] ، فكل اسم وضع عن حكمة تظهر التناسب
(1) انظر مفتاح دار السعادة 2/ 78 بتصرف.
(2) الصواعق المرسلة 4/ 1570 بتصرف.
(3) الإتقان 2/ 181.
(4) البرهان في علوم القرآن 3/ 20.