عطائه تقتضي حصولها لكل منفق، فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه وفضله لا يناقض حكمته؛ بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بعلمه وحكمته [1] .
9 -اقتران الغفور بالودود: سر اقتران هذين الاسمين في قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج:13/ 14] ، أن العبد الذي بينه وبين الله محبة وود لو أذنب ثم تاب واستغفر نادما صادقا، فإن الله يقبل توبته، ويعيد محبته، ويرجع الود أعظم مما كان، قال ابن القيم: (وهذا بخلاف ما يظنه من نقصت معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذي كان له منه قبل الجناية، واحتجوا في ذلك بأثر إسرائيلي مكذوب أن الله قال لداود - عليه السلام: يا داود أما الذنب فقد غفرناه وأما الود فلا يعود، وهذا كذب قطعا؛ فإن الود يعود بعد التوبة النصوح أعظم مما كان فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته) [2] .
10 -اقتران الأول والآخر والظاهر والباطن: وردت هذه الأسماء في مجموعها دالة على معني الإحاطة والكمال، وأنه لا مناص للعبد من ركونه وافتقاره إلى رب العزة والجلال، فحصل من المعاني باقترانها جلال فوق الكمال الذي ينفرد به كل اسم منها على حده، فقال سبحانه وتعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد:3] ، فاسمه الأول يقتضي التجرد من مطالعة العباد للأسباب وإن أخذوا بها، وأن يجردوا النظر إلى سابق فضله ورحمته، وأنه المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد؛ إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجود أي وسيلة كانت هناك، وإنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، فمنه سبحانه الإعداد ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل التي هي في الأصل من فضله وجوده.
واسم الله الآخر يقتضي أيضا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها؛ فإنها تنعدم لا محالة، وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بعدم
(1) طريق الهجرتين ص540 بتصرف.
(2) السابق ص357.