من صفاته، وصفاته قديمة به، فأسماؤه غير مخلوقة) [1] ، وكذلك قوله: (والرب تعالى يُشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء، ولا يُشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته، أو فعل قائم به، فلو كان يُشتق له اسم باعتبار المخلوق المنفصل؛ فإنه يُسمى متكونا ومتحركا وساكنا وطويلا وأبيض وغير ذلك لأنه خالق هذه الصفات، فلما لم يطلق عليه اسم من ذلك مع أنه خالقه علم إنما يشتق أسمائه من أفعاله وأوصافه القائمة به، وهو سبحانه لا يتصف بما هو مخلوق منفصل عنه، ولا يتسمى باسمه) [2] .
الجانب الثالث: إذا نظرنا إلى اشتقاق الأسماء والصفات من الجانب اللغوي، فمن جهة اللغة واشتقاق الألفاظ يصح القول بأن الأسماء الحسنى مشتقة من الصفات والأفعال، وأنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، وتسمية النحاة المصدر والمشتق منه أصلا وفرعا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما متضمن للآخر وزيادة، لا أن العرب تكلموا بالأسماء أولا ثم اشتقوا منها الأفعال؛ فإن التخاطب بالأفعال ضروري كالتخاطب بالأسماء لا فرق بينهما، فالاشتقاق هنا ليس اشتقاقا ماديا، وإنما هو اشتقاق تلازم يسمى المتضمِّن فيه مشتقا، والمتضمَّن مشتقا منه، ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى [3] .
قال ابن القيم: (زعم السهيلي وشيخه ابن العربي أن اسم الله غير مشتق؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه سبحانه قديم لا مادة له فيستحيل الاشتقاق ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى فهو باطل، ولكن من قال بالاشتقاق لم يُرد هذا المعنى ولا ألمّ بقلبه، وإنما أراد أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى من العليم والقدير؛ فإنها مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة والقديم لا مادة له، فما كان جوابكم عن هذه الأسماء كان جواب من قال بالاشتقاق في الله تعالى، ثم الجواب عن الجميع أنا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله) [4] .
(1) شفاء العليل ص 277، ومدارج السالكين 1/ 37.
(2) السابق ص 271.
(3) انظر بتصرف مجموع الفتاوى 17/ 231، وشرح قصيدة ابن القيم 1/ 12.
(4) بدائع الفوائد 1/ 27، وانظر أيضا حول هذه النقطة الفرق بين الفرق للبغدادي ص 327، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 5/ 23، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 10/ 231.