فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 673

والقوة والمال، وما يحمد عليه من جميل الصفات والأفعال؛ إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم، فالعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله؛ فيحدث له اسم العالم والكامل بعد حدوث العلم والكمال فيه، ويكتسب مالا فيصبح غنيا، ويحمده الناس فيصبح محمودا، ويتحرى الصدق فيكون صادقا، فهم يُكمِّلون نقصهم الذاتي بفعل كمال كسبي؛ فيظهر بين الناس حسنهم وحسن أسمائهم وأوصافهم وأفعالهم [1] .

أما رب العزة والجلال فأفعاله عن جلال أسمائه وكمال أوصافه، وهي مشتقة منها كما ورد في المسند وصححه الألباني من حديث عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ: أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي اسْمًا فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) [2] ، وهذا الحديث دليل واضح على أن الله سبحانه وتعالى أفعاله صادرة عن أسمائه وأوصافه، بعكس أسماء المخلوقين وأوصافهم التي تصدر عن أفعالهم؛ فعقيدة التوحيد تقتضي الإيمان بأن أفعال الله عز وجل صادرة عن كماله، كمُل ففعل، وأن كمال المخلوق صادر عن أفعاله، فعل فكمل الكمال اللائق به، ومن ثم اشتقت الأسماء له بعد أن كمل بالفعل، أما الرب فلم يزل كاملا على الدوام بأسمائه وصفاته أزلا وأبدا [3] .

وعلى ذلك فإن الأسماء الحسنى والصفات الذاتية وأصل الصفات الفعلية من جهة المشيئة والإمكانية هي في حقيقتها أزلية أبدية بأزلية الذات الإلهية، وطالما أنه سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته، وأن الاشتقاق في حقه ليس كالاشتقاق في حقنا، فإن الأسماء الحسنى دالة على الصفات ومرتبطة بها، والصفات يشتق الله لنفسه منها ما يشاء من الأسماء؛ فهذا حقه وفعله فيما يخصه، قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] ، لكن المسلم الموحد صاحب العقيدة الصحيحة لا يجوز له أن يشتق لله من أوصافه وأفعاله ما يشاء من الأسماء، لأنها توقيفية على النص كما سبق، ولأن دورنا حيال أسماء الله الحسنى الإحصاء، ثم الحفظ والدعاء، وليس الاشتقاق والإنشاء، ولعل هذا ما يعنيه من قال من العلماء بأن الأسماء مشتقة من الصفات كقول ابن القيم رحمه الله: (أسمائه مشتقة

(1) انظر بتصرف كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في العقيدة 8/ 387.

(2) مسند الإمام أحمد 1/ 191 (1659) ، وانظر السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني 2/ 49 (520) .

(3) انظر بتصرف بدائع الفوائد 1/ 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت