فهرس الكتاب
وأما النوع الثاني وهو مجيء الاختلاف من المعنى الصرفي، فإنما يتلمس حين يتفق الاسمان في الجذر ويختلفان في الوزن؛ فينفي احتمال الترادف بينهما أو ثبات المعنى للاسم ذاته اختلاف معنى الصيغة في كل اسم، واشتقاقه من فعلين يختلفان في التجرد والزيادة، كاسم الله المبين والقيوم؛ فإن كانا مشتقين من المجرد كبان وقام على وزن فعل حَمل الاسم المأخوذ من الفعل مجرد أصل المعنى، وهو الظاهر الواضح المتميز في المبين، والقيام بالنفس وكمال الوصف والبقاء على الدوام في القيوم، أما تلك التي أخذت من وزن أفعل فقد أضافت الصيغة فيها معنى التعدية، وهو المعنى الغالب على وزن أفعل [1] ، فيكون معنى المبين الذي أبان لكل مخلوق علة وجوده وغايته، وأبان لهم طلاقة قدرته مع بالغ حكمته، وأبان لهم الأدلة القاطعة على وحدانيته، وأبان لهم دينهم بأحكام شريعته، ولا يعذب أحدا من خلقه إلا بعد بيان حجته، ومعنى القيوم الذي أقام أُمور الخلق وتولى تدبير الرزق وأبقاهم لمقتضى حكمته، فالمعنى يتغير في الاسم بتغير الاشتقاق في الفعل من الأصل والزيادة.
وهناك من التنوع في معاني الأسماء ما نتج عن اختلاف الوزن فيه عن طريق اشتقاق الاسم من فعلين مزيدين يختلفان في نوع الزيادة مما جعل كلا منهما يكتسب معناه الصرفي من معنى فعله المزيد، كالقادر والمقتدر من فعَّل وافتعل قدَّر واقتدر، وقد تقدم ذكر الفرق بينهما في شرحنا للأسماء الحسنى [2] ، وكذلك ورد من أسماء الله تعالى ما هو مأخوذ من فعل على وزن تفاعل وله نظير من الجذر الثلاثي المجرد وهو العلي والمتعال، فالعلي الذي يتصف بعلو الفوقية، أما المتعال فهو الذي يتصف بعلو الشأن على سبيل المبالغة والإطلاق، وأيضا ورد من أسماء الله تعالى ما هو مأخوذ من فعل على وزن تفعَّل ولهما نظير من الفعل الثلاثي المجرد وهما الكبير والمتكبر، ذكر البيهقي أن التاء في المتكبر هي تاء التفرد والتخصيص بالكبر لا تاء التعاطي والتكلف [3] .
وقد ذهب بعضهم إلى أن أسماء الله التي هي صيغة مبالغة كلها مجاز، إذ هي موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها؛ لأن المبالغة هي أن تثبت للشيء أكثر مما له وصفات
(1) انظر شرح الشافية 1/ 83، وشذا العرف 38، 39، نقلا عن دكتور أحمد مختار ص 85.
(2) أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة الجزء الثاني الشرح والتفسير ص 90، ص101.
(3) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص94.