فهرس الكتاب
الله تعالى متناهية في الكمال لا يمكن المبالغة فيها، والمبالغة أيضا تكون في صفات تقبل الزيادة والنقصان، وصفات الله تعالى منزهة عن ذلك، وقد ذكرنا أن ذلك يصح من الجانب الاعتقادي، وإن كان فيه نظر من الجانب اللغوي، كما أن المحققين ذهبوا إلى أن المبالغة في حق الله تعالى لا تعني زيادة الفعل، ولكن تعني تعدد المفعولات وكثرة المتعلقات، فالله تواب لكثرة قبوله من يتوب إليه من عباده، والله قدير باعتبار تكثير التعلق وليس تكثير الوصف، والله عليم باعتبار عموم العلم لكل الأفراد لا باعتبار المبالغة في الوصف، إذ العلم لا يصح التفاوت فيه [1] .
ومن التنوع الدلالي لأسماء الله الحسنى أيضا الفرق بين معاني الصيغ داخل المشتق الواحد، حيث يثير تعدد الصيغ في كل من الصفة المشبهة وصيغ المبالغة سؤالا هاما وهو: هل معانيها كلها واحدة أو هناك فروق بينها؟ علمنا أن الحديث عن نفي الترادف يستلزم في حال اتحاد المعنى المعجمي عدم الاتحاد في المعنى الصرفي أو معنى الصيغة، ويؤكد هذا الاتجاه تنوع الاستعمال القرآني وعدم استخدامه وزنا معينا من أوزان النوع الواحد تبعا للمعنى المراد إبرازه، كقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173] ، مع قوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [ص:66] ، فماذا يمكن أن يلحظ من فروق بين أوزان الصفة المشبهة؟ أو بين أوزان صيغ المبالغة؟
على الرغم من دقة الإجابة عن هذا السؤال إلا أنه يمكن تلمس هذه الفروق فبالنسبة للصفة المشبهة فالملحظ الأساسي عنها أن اختلاف أوزانها يعكس تفاوتا في درجة دلالتها على الثبوت والدوام من ناحية، كما يعكس اختلاف الدلالة الصرفية لأفعالها من ناحية أخرى، فوزن فعلان على سبيل المثال يفيد ثبوت الصفة ولكن بشكل أقل، ولكن لا يبلغ في تجدده ووقوعه مبلغ اسم الفاعل، لأن زواله بطيء مثل شبعان وظمآن وغضبان وريان، ولكنه يعوض هذا بدلالته على معنى الامتلاء أو ضده وهذا بخلاف وزن فعيل الذي يفيد ثبوت الصفة بقدر كبير من الدوام والاستمرار نحو طويل وقصير ودميم وعقيم، أو على وجه قريب من ذلك نحو نحيف وسمين، أما وزن فَعِل فيرتبط عادة بالصفات الداخلية تبعا لفعله، مثل فرح وطرب وقلق.
وأما بالنسبة لصيغ المبالغة فعلى الرغم من دلالتها جميعا على كثرة المعنى كما وكيفا من
(1) انظر البرهان 2/ 508:507.