وقد ذكر ابن القيم في تعريفه بمنهج السلف في أسماء الله أن الأسماء الحسنى لها اعتباران: اعتبار من حيث الذات، واعتبار من حيث الصفات، فهي بالاعتبار الأول مترادفة، وبالاعتبار الثاني متباينة، فهي أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم [1] ، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه، لا تنافي اسميته وصفيته، فمن حيث هو صفة جرى تابعا على اسم الله ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، ورود الاسم علما، وكذلك فإن الأسماء مشتقة من الصفات، إذ الصفات مصادر الأسماء الحسنى [2] .
كما أن أسماء الله الحسنى لو كانت جامدة لا تدل على وصف ولا معنى لم تكن حسنى لأن الله أثنى بها على نفسه فقال: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف:180] والجامد لا مدح فيه ولا دلالة له على الثناء، كما أنه يلزم أيضا من كونها جامدة أنه لا معنى لها، ولا قيمة لتعدادها أو الدعوة إلى إحصائها، ويترتب على ذلك أيضا رد ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) [3] .
ولذلك استقبح أهل العلم مذهب المعتزلة في إثبات الأسماء ونفي دلالتها على الصفات، لأن معنى ذلك أنهم أثبتوا وجود الذات فقط، وجعلوا أسماء اللَّه الدالة عليها أسماء فارغة من الأوصاف، أسماء بلا مسمى، فقالوا: هو العليم بلا علم والسميع بلا سمع، والبصير بلا عين، ومعلوم من مذهب السلف الصالح أن أسماء الله في دلالتها لا تشبه أسماء المخلوقين في دلالتها، فقد يسمى الإنسان سعيدا وهو حزين، أما رب العزة والجلال فهو الغني الذي يتصف بالغني لا الفقر، وهو القوي الذي يتصف بالقوة لا الضعف، وهو السميع الذي يتصف بالسمع تعالى اللَّه عن ضدها،
(1) بدائع الفوائد 1/ 170.
(2) السابق 1/ 28، وانظر أيضا توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، لأحمد بن إبراهيم بن عيسى 1/ 14، تحقيق زهير الشاويش نشر المكتب الإسلامي، بيروت، سنة 1406 هـ.
(3) متفق عليه وقد تقدم تخريجه.