الداعي عملا صالحا ذا بال فيه خوفه من الله سبحانه وتقواه إياه وإيثاره رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه ليكون أرجى لقبوله وإجابته، وهذا توسل جيد وجميل قد شرعه الله وارتضاه ويدل على مشروعيته قوله تعالى: {الذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:16] ، وقوله سبحانه: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} [آل عمران:193] ، وأمثال هذه الآيات الكريمات المباركات، وعند البخاري من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ فَقَالُوا إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ .. الحديث) [1] .
وأما النوع الثالث فهو التوسل إلى الله تعالى بدعاء الأحياء من المؤمنين الصالحين كأن يقع المسلم في ضيق شديد أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تبارك وتعالى، فيطلب ممن يعتقد فيه الصلاح والتقوى أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة أن يدعوا له ربه ليفرج عنه كربه ويذهب عنه همه، فهذا نوع آخر من التوسل المشروع دلت عليه الشريعة المطهرة وأرشدت إليه، وقد وردت أمثلة عليه في صحيح السنة، فعند البخاري من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا) [2] ، وروى أيضا من حديث أنس - رضي الله عنه: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ) [3] ، ومعنى قول عمر - رضي الله عنه - إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم وإنا نتوسل إليك بعم نبينا أننا كنا نقصد نبينا صلى الله عليه وسلم ونطلب منه أن يدعو لنا ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس ونطلب منه أن يدعو لنا
(1) البخاري في كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرا فترك أجره فعمل فيه المستأجر فزاد 2/ 793 (2152) ، وانظر التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني ص32، ط 3، المكتب الإسلامي، بيروت.
(2) البخاري في الجمعة، باب رفع اليدين في الخطبة 1/ 315 (890) .
(3) البخاري في الاستسقاء، باب ذكر العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - 3/ 1360 (3507) .